فصل: غزو أرمينية وآذربيجان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عثمان بن عفان **


 غزو أرمينية وآذربيجان

‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 477، حدثت تغييرات في حدود أرمينية لما طرأ عليها من التقلبات، فحدودها القديمة من جهة الشرق‏:‏ بحر الخزر، وبلاد العجم، والجنوب‏:‏ أشورية، وما بين النهرين، وأرض السريان، وكيليكية، والغرب‏:‏ آسيا الصغرى، والشمال‏:‏ البحر الأسود، وكرجستان، وأفغانستان، وكانت سابقًا تمتد نحو جبال القوقاز، وتتصل بها من الجهة الشمالية وإلى بحر قزوين‏]‏ ‏(‏سنة 25 هـ/ 646 م‏)‏‏:‏

قلنا إن الوليد بن عقبة تولى مكان سعد بن أبي وقاص في الكوفة فعزل عتبة بن فرقد عن آذربيجان، وكان أميرًا عليها لعمر بن الخطاب‏.‏ وروى الطبري أنه كان بالرَّيِّ وآذربيجان 10‏,‏000 مقاتل من أهل الكوفة 6000 بآذربيجان، و 4000 بالري، وكان بالكوفة 40‏.‏000‏.‏ فنقض أهل أرمينية وآذربيجان الصلح بعد أن عزل الوليد عتبة ابن فرقد فغزاهم الوليد‏.‏

فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي ‏[‏هو سلمان بن ربيعة بن يزيد بن عمرو بن سهم بن ثعلبة، أبو عبد اللَّه، الباهلي، صحابي، متوفى سنة 30 هـ، من القادة القضاة شهد فتوح الشام، والقادسية، سكن العراق، استقضاه عمر على الكوفة، قال ابن قتيبة في المعارف‏:‏ ‏"‏هو أوَّل قاضٍ قضى لعمر بن الخطاب بالعراق‏"‏ وقال أيضًا‏:‏ ‏"‏قُتل في بلنجر، من أرض الترك أو من أرمينية، ويقال‏:‏ إن عظامه عند أهل بلنجر، في تابوت، إذا احتبس عليهم المطر أخرجوه فاستسقوا به، فسقوا‏"‏‏.‏ ثم وَلِيَ غزو أرمينية في زمن عثمان، واستشهد فيها‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ج 2/ص 185، تهذيب التهذيب ج 4/ص 220، تهذيب الكمال ج 1/ص 338، تقريب التهذيب ج 1/ص 285، خلاصة تهذيب الكمال ج 1/ص 111، المعارف 185، الكاشف ج 1/ص 285، تاريخ البخاري الكبير ج 4/ص 117، الجرح والتعديل ج 4/ص 266، طبقات ابن سعد ج 6/ص 308، البداية والنهاية ج 7/ص 205، الثقات ج 4/ص 228‏]‏، فبعثه أمامه مقدمة له، وخرج الوليد في جيش وهو يريد التوغل في أرض أرمينية فمضى حتى دخل آذربيجان‏.‏

وبعث عبد اللَّه بن شُبْيل بن عوف الأحمسي في 4000 فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان ورجع إلى الوليد‏.‏

ثم صالح الوليد أهل آذربيجان على 800‏.‏000 درهم، وذلك هو الصلح الذي كانوا صالحوا ‏[‏ص 58‏]‏ عليه حذيفة بن اليمان ‏[‏هو حذيفة بن حُسَيْل، ويقال حِسْل بن جابر العبسي، أبو عبد اللَّه، واليمان لقب حسل، صحابي، من الولاة الشجعان الفاتحين، كان صاحب سر النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في المنافقين، لم يعلمهم أحد غيره، ولما ولي عمر سأله‏:‏ أفي عمَّالي أحد من المنافقين‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، واحد‏.‏ فقال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ لا أذكره، وحدث حذيفة بهذا الحديث بعد حين فقال‏:‏ وقد عزله عمر كأنَّما دَل عليه‏.‏ كان عمر إذا مات ميت يسأل عن حذيفة، فإذا حضر الصلاة عليه صلى عليه عمر، وإلا لم يصلِّ عليه، ولاه عمر المدائن بفارس، له مشاهد، توفي سنة 36 هـ‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ تهذيب الكمال ج 1/ص 238، تهذيب التهذيب ج 2/ص 156، خلاصة تهذيب الكمال ج 1/ص 201، الكاشف ج 1/ص 210، أُسد الغابة ج 1/ص 463، الإصابة ج 2/ص 45، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 125، الاستيعاب ج 1/ص 334، حلية الأولياء ج 1/ص 270، تاريخ الإسلام للذهبي ج 2/ص 152، صفة الصفوة ج 1/ص 249‏]‏ سنة 22 هـ بعد موقعة نهاوند بسنة، ثم إنهم حبسوها عند وفاة عمر‏.‏ فلما هزمهم الوليد وصالحهم قبض منها المال وبث فيمن حولهم من الأعداء الغارات‏.‏

ولما عاد عبد اللَّه بن شبيل من غارته بعث سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أرمينية في 12000، فهزمهم ‏[‏ابن كثير، البداية والنهاية ج 7/ص 150‏]‏‏.‏

  معاوية بن أبي سفيان

‏[‏هو معاوية بن ‏"‏أبي سفيان‏"‏ صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي، الأموي، مؤسس الدولة الأموية في الشام، وأحد دهاة العرب المتميّزين الكبار، أسلم سنة 8 هـ، وتعلم الكتابة والحساب واستعمله النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ لكتابة الوحي، هو أوَّل مسلم ركب بحر الروم للغزو، وكان عمر بن الخطاب يقول إذا نظر إليه‏:‏ ‏"‏هذا كسرى العرب‏"‏‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ البدء والتاريخ ج 6/ص 10، شذور العقود للمقريزي ج 6/ص 266، منهاج السنة ج 2/ص 300، تاريخ اليعقوبي ج 2/ص 140، تطهير الجنان ص 128، الكامل في التاريخ ج 4/ص 260، تهذيب الكمال ج 3/ص 10، تهذيب التهذيب ج 10/ص 35، خلاصة تهذيب الكمال ج 3/ص 66، الكاشف ج 3/ص 71، تاريخ البخاري الكبير ج 7/ص 18، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 97، الثقات ج 3/ص 199، أُسد الغابة ج 5/ص 251، البداية والنهاية ج 8/ص 300، الاستيعاب ج 3/ص 401، سير الأعلام ج 3/ص 265، طبقات ابن سعد ج 9/ص 203، نقعة الصديان ترجمة ص 317‏]‏ يطلب المدد‏:‏ ‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 480‏]‏‏.‏

بعد أن عاد الوليد بن عقبة من الغزو أتاه كتاب عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ هذا نصه ‏[‏ص 59‏]‏‏:‏

‏"‏أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إليَّ يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلًا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام‏"‏‏.‏

يرى القارئ من ذلك أن أهالي البلاد التي دخلت في حوزة الإسلام انتهزوا فرصة وفاة عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ لمحاربة المسلمين فنقض أهل الإسكندرية الصلح، لكن عمرو بن العاص هزمهم، ونقض كذلك أهل أرمينية وآذربيجان صلحهم فهزمهم الوليد، والآن نجد معاوية بالشام يطلب المدد، لأن الروم جمعوا جيوشهم وأجلبوا على المسلمين‏.‏

وبعد أن وصل إلى الوليد كتاب الخليفة قام في الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال‏:‏ ‏"‏أما بعد، أيها الناس فإن اللَّه قد أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاءً حسنًا، رد عليهم بلادهم التي كفرت، وفتح بلادًا لم تكن افتتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد للَّه رب العالمين‏.‏ وقد كتب أمير المؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف‏.‏ تمدون إخوانكم من أهل الشام فإنهم قد جاشت عليهم الروم وفي ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين فانتدبوا رحمكم اللَّه مع سلمان بن ربيعة الباهلي‏"‏‏.‏

فانتدب الناس وخرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام أرض الروم وعلى جند أهل الشام حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري ‏[‏هو حبيب بن مسلمة بن مالك الفهري، القرشي، أبو عبد الرحمن، قائد من كبار الفاتحين، يقرنه بعضهم بخالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح ولد بمكة سنة 2 ق‏.‏ هـ ورأى رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وخرج إلى الشام مجاهدًا في أيام أبي بكر، فشهد اليرموك، ودخل دمشق مع أبي عبيدة فولاه إنطاكية، ثم أمره عمر بن الخطاب بإمداد سراقة بن عمر وكان قد ولي غزو الباب، فسار حبيب وتوغل في أرمينية، واشتهرت أعماله وشجاعته فيها، ثم قصد المدينة حاجًا فأكرمه عمر، كان معاوية يستشيره في كثير من شؤونه وكان يسمى ‏"‏حبيب الروم‏"‏ لكثرة دخوله بلادهم ونيله منهم، وهو فاتح كثير من بلاد أرمينية، كان عثمان يريد توليته أرمينية كلها، إلا أنه خاف أن تشغله السياسة عن القيادة، لما صفا الملك لمعاوية ولاه أرمينية فتوفي فيها سنة 42 هـ‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ تهذيب ابن عساكر ج 4/ص 35، أشهر مشاهير الإسلام 872‏]‏‏.‏ وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة فصد المسلمون هجوم الروم، فأصاب الناس ما شاءوا من سبي وغنائم، وافتتحوا حصونًا كثيرة، وساروا منتصرين حتى بلغوا آسيا الصغرى مجتازين أرمينية فوصلوا طبرستان ‏[‏ص 60‏]‏ واتصلوا بزملائهم على الشاطئ الشرقي لبحر قزوين، واتجهوا نحو الشمال إلى أن وصلوا تفليس والبحر الأسود‏.‏ فهذا نصر عظيم وتوسع في الفتح سريع لا نظير له في تاريخ العالم‏.‏

  عزل عمرو بن العاص عن مصر

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 5/ص 48، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 480‏]‏ وفتح أفريقية ‏(‏سنة 26 هـ/ 647 م‏)‏‏:‏ لما ولي عثمان أقر عمرو بن العاص على عمله، وكان لا يعزل أحدًا إلا عن شكاة، أو استعفاء من غير شكاة، ثم عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عليه عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح أمير الصعيد في زمن عمر بن الخطاب‏.‏

كان عمرو بن العاص صاحب السلطة في مصر زمن عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ، فكان قائد الجيش، وصاحب الخراج، لكن عمر كان يستبطئ عمرًا في جمع الخراج، ويستقل ما يجبيه من مصر‏.‏ ومما كتبه له في هذا الشأن‏:‏ ‏"‏وأعجب ما عجبت أنها ـ أي مصر ـ لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحط ولا جدب‏"‏‏.‏ لكن يلاحظ أن عمرو بن العاص ألغى كثيرًا من الضرائب التي كانت تجبى في عهد الدولة الرومانية، وكانت سبب شكوى المصريين وتألمهم من الحكم الروماني‏.‏

وعلى كل حال لم يفكر عمر بن الخطاب في نزع الخراج من عمرو وقصره على الحرب مع تشدده عليه في جباية الخراج‏.‏ فلما ولي عثمان رأى إسناد الخراج إلى عبد اللَّه بن سعد أبي سرح ‏[‏أسلم عبد اللَّه بن سعد قبل الفتح وهاجر إلى رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وكان يكتب الوحي لرسول الله ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ثم ارتد مشركًا، وسار إلى قريش بمكة فقال لهم‏:‏ إني كنت أصرف محمدًا حيث أريد، كان يملي عليَّ ‏{‏عزيز حكيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 209‏]‏‏.‏ فأقول‏:‏ أو عليم حكيم فيقول‏:‏ نعم كل صواب‏.‏ فلما كان يوم الفتح أمر رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة، ففر عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان بن عفان فتبعه عثمان حتى أتى به إلى رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له فصمت رسول اللَّه طويلًا ثم قال‏:‏ نعم، فلما انصرف عثمان قال رسول اللَّه لمن حوله‏:‏ ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الأنصار‏:‏ فهلا أومأت إلي يا رسول اللَّه‏؟‏ فقال‏:‏ إن النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين، وأسلم ذلك اليوم فحسن إسلامه ولم يظهر منه بعد ذلك ما ينكر عليه‏]‏ وكان أخا عثمان من الرضاعة ‏(‏أرضعت أمه عثمان‏)‏، فكتب عبد اللَّه إلى عثمان يقول‏:‏ إن عمرًا كسر عليَّ الخراج، وكتب عمرو يقول‏:‏ إن عبد الله قد كسر عليَّ مكيدة الحرب، فعزل عثمان عمرًا واستقدمه واستعمل بدله عبد اللَّه على حرب مصر وخراجها، أي أنه أعطاه السلطة التي كانت مخولة لعمرو من قبل، فقدم عمرو مغضبًا، فدخل على عثمان وعليه جبة محشوة فقال‏:‏ ما حشو جبتك‏؟‏ قال‏:‏ عمرو، فقال عثمان‏:‏ قد علمت أن حشوها عمرو ولم أرد هذا، إنما سألتك أقطن هو أم غيره‏؟‏ ثم بعث عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان فقال عثمان‏:‏ يا عمرو هل تعلم أن تلك اللقاح ‏[‏اللقاح‏:‏ جمع اللقحة وهي الناقة الحلوب الغزيرة اللبن، وقد شبَّه مصر بها، ودرَّت أي أخرجت لبنها‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ لقح‏]‏‏.‏ درَّت بعدك‏؟‏ فقال عمرو‏:‏ إن فصالها هلكت‏.‏ يريد عثمان أن مصر قد كثر خراجها على يد عبد اللَّه بن سعد، فقال له عمرو‏:‏ إن فصالها هلكت أي أن أولاد اللقاح قد هلكت بحرمانها من اللبن، يريد أن في ذلك إرهاقًا لأهالي مصر وتحميلهم ما لا يطاق ‏[‏ص 61‏]‏‏.‏

وهذه الزيادة التي أخذها عبد اللَّه، إنما هي على الجماجم فإنه أخذ عن كل رأس دينارًا خراجًا عن الخراج فحصل لأهل مصر بسبب ذلك الضرر الشامل‏.‏ وكانت هذه أول شدة وقعت لأهل مصر في مبتدأ الإسلام، ويقال‏:‏ إن عبد اللَّه جبى خراج مصر في تلك السنة 14‏.‏000‏.‏000 دينارًا بعد أن كان 12‏.‏000‏.‏000 زمن عمرو بن العاص، وهذا ما دعا عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ إلى توجيه اللوم إلى عمرو، فكان جوابه ما ذكر‏.‏

كان عبد اللَّه من جند مصر، وكان قد أمره عثمان بغزو أفريقية سنة خمس وعشرين وقال له عثمان‏:‏ إن فتح اللَّه عليك فلك من الفيء خمس الخمس نفلًا‏.‏ وأمر عبد اللَّه بن نافع بن عبد القيس وعبد اللَّه بن نافع بن الحارث‏[‏هو نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي الطائفي، أول من ابتنى دارًا، واقتنى الخيل بالبصرة، كان من رقيق أهل الطائف أمه مولاة للحارث، واعترف الحارث أنه ولده فنسب إليه، ولما ظهر الإسلام، نزل من الطائف إلى النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وأسلم، شهد الحروب ثم كان مع عتبة بن غزوان حين وجهه عمر إلى الأهواز والأبله، نزل عتبة بأرض البصرة قبل أن تُبنى، فتح الأبله فوجد فيها غنائم كثيرة، فكتب بخبرها إلى عمر، وأرسل الكتاب مع نافع فسر عمر والمسلمون‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الأخبار الطوال ص 123، الإصابة ترجمة 8654، الاستيعاب ج 3/ص 512، فتوح البلدان للبلاذري ص 359، معجم البلدان ج 2/ص 192‏]‏ على جند وسرّحهما، وأمرهما بالاجتماع مع عبد اللَّه بن سعد صاحب أفريقية، ثم يقيم عبد اللَّه في عمله، فخرجوا حتى قطعوا أرض مصر، وكان من بين الجيش الذي أرسله عثمان جماعة من أعيان الصحابة منهم‏:‏ ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وابن جعفر، والحسن، والحسين، فسار بهم عبد اللَّه بن سعد إلى أن وصلوا برقة فلقيهم عقبة بن نافع ‏[‏هو عقبة بن نافع بن عبد القيس الأموي، القرشي، الفهري، فاتح من كبار القادة في صدر الإسلام، هو باني مدينة القيروان، ولد في حياة النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ سنة 1 ق‏.‏ هـ، ولا صحبة له، شهد فتح مصر وهو ابن خالة عمرو بن العاص، فوجهه عمرو إلى أفريقية سنة 42 هـ واليًا، فافتتح كثيرًا من تخوم السودان وكُوَرها في طريقه، وعلا ذكره، فولاه معاوية أفريقية سنة 50 هـ، فأوغل في بلاد أفريقية حتى أتى وادي القيروان، فأعجبه، فبنى فيه مسجدًا لا يزال إلى اليوم يُعرف بجامع عقبة، وأمر من معه فبنوا فيه مساكنهم، عزله معاوية سنة 55 هـ، فعاد إلى المشرق، ولما توفي معاوية ولاه يزيد على المغرب سنة 62 هـ، فقصد القيروان وخرج منها بجيش كثيف، ففتح حصونًا ومدنًا، تقدم إلى المغرب الأقصى، فبلغ البحر المحيط، وعاد فلما كان في تهودة وهي من أرض الزاب تقدمته العساكر إلى القيروان وبقي في عدد قليل، فطمع به الفرنج، فأطبقوا عليه فقتلوه ومن معه ودفن بالزاب سنة 63 هـ‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الاستقصا ج 1/ص 36، البيان المغرب ج 1/ص 19، فتح العرب للمغرب ص 130، بغية الرواد ج 1/ص 76‏]‏ فيمن معه من المسلمين، وساروا إلى طرابلس الغرب في جيش عدده ‏[‏ص 62‏]‏ 40‏.‏000 فنهبوا من عندَها من الروم، وسار نحو شمال أفريقية وبث السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير ‏(‏Greaorius‏)‏ وملكه من طرابلس إلى طنجة ‏[‏قال مستر ج‏.‏ب‏.‏ بري الذي علَّق على كتاب جيبون في سقوط الإمبراطورية الرومانية ـ طبعة سنة 1911 م، ج 5/ص 490، بالهامش ـ‏:‏ ‏"‏ولا شك في أن جريجوري ثار على كوتستانس وأعلن نفسه إمبراطورًا‏]‏ فلما بلغه خبر المسلمين، تجهَّز وجمع العساكر وأهالي البلاد من قبائل البربر غير المدربين على القتال فبلغ عسكره 120‏.‏000، والتقى هو والمسلمون في مكان بينه وبين سُبَيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت في ذلك الوقت دار الملك ‏(‏Sujetula‏)‏، بينها وبين القيروان سبعون ميلًا، وكان بها حصن قوي، فأقاموا هناك يقتتلون كل يوم‏.‏ وراسله عبد اللَّه بن سعد يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية فامتنع منهما وتكبَّر عن قبول أحدهما‏.‏ وقيل‏:‏ كان عدد جيش المسلمين 20‏.‏000 وانقطع خبر المسلمين عن عثمان فسيَّر عبد اللَّه بن الزبير ‏[‏هو عبد اللَّه بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، أبو بكر، فارس قريش في زمنه، أول مولود في المدينة بعد الهجرة ولد سنة 1 هـ، شهد فتح أفريقية زمن عثمان، بويع له بالخلافة سنة 64 هـ، عقيب موت يزيد بن معاوية، فحكم مصر، والحجاز، واليمن، وخراسان، والعراق، وأكثر الشام، وجعل قاعدة ملكه المدينة، كانت له مع الأمويين مواقع هائلة حتى سيَّروا إليه الحجاج بن يوسف الثقفي في أيام عبد الملك بن مروان، فانتقل إلى مكة، نشبت بينهما حروب انتهت بمقتل ابن الزبير بعد ما خذله أصحابه، وهو في عشر الثمانين سنة 73 هـ، كان من الخطباء المعدودين في قريش، يشبه بذلك بأبي بكر، كانت مدة خلافته تسع سنين، نقش في أيامه الدراهم وكتب على وجه ‏"‏محمد رسول اللَّه‏"‏ وعلى الآخر ‏"‏أمر اللَّه بالوفاء والعدل‏"‏، وهو أول من ضرب الدراهم المستديرة‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ ج 4/ص 135، فوات الوفيات ج 1/ص 210، تاريخ الخميس ج 2/ص 301، حلية الأولياء ج 1/ص 329، اليعقوبي ج 3/ص 2، صفة الصفوة ج 1/ص 322، الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 7/ص 202، تهذيب ابن عساكر ج 7/ص 396، شذور العقود للمقريزي ص 6، جمهرة الأنساب ص 113‏]‏ في جماعة إليهم ليأتيه بأخبارهم‏.‏ فسار مجدًّا ووصل إليهم، وأقام، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير عن الخبر‏!‏ فقيل‏:‏ قد أتاهم عسكر ففت ذلك في عضده‏.‏ ورأى عبد اللَّه بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من الصباح إلى الظهر فإذا أذن بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه وشهد القتال من الغد فلم يرَ ابن أبي سرح معهم، فسأل عنه، فقيل‏:‏ إنه ‏[‏ص 63‏]‏ سمع منادي جرجير يقول‏:‏ من قتل عبد اللَّه بن سعد، فله مائة ألف دينار وأزوَّجه ابنتي، وهو يخاف‏.‏ فحضر عنده ‏(‏في خيمته‏)‏ وقال له‏:‏ تأمر مناديًا ينادي من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف، وزوَّجته ابنتك، واستعملته على بلاده، ففعل ذلك، فصار جرجير يخاف أشد من عبد اللَّه‏.‏

ثم إن عبد اللَّه بن الزبير قال لعبد اللَّه بن سعد‏:‏ إن أمرنا يطول مع هؤلاء وهم في أمداد متصلة وبلادهم لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن نترك غدًا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا أو يملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة، فلعل اللَّه ينصرنا عليهم‏.‏ فأحضر جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم، فوافقوه على ذلك، فلما كان الغد فعل عبد اللَّه ما اتفقوا عليه، وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالًا شديدًا‏.‏ فلما أذن بالظهر همَّ الروم بالانصراف على العادة فلم يمكنهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم، ثم عاد عنهم هو والمسلمون فكل من الطرفين ألقى سلاحه ووقع تعبًا فعند ذلك أخذ عبد اللَّه بن الزبير من كان مستريحًا من شجعان المسلمين وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا عليهم حملة رجل واحد وكبَّروا فلم يتمكن الروم من لبس السلاح حتى غشيهم المسلمون‏.‏

  قتل جرجير وانهزام الروم

‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 484‏]‏ انتصر المسلمون بفضل الخطة التي دبرها عبد اللَّه بن الزبير، لأن الجيشين اعتادا القتال إلى الظهر وطرح السلاح والركون إلى الراحة بعد العناء من القتال، ثم استئناف الحرب في اليوم التالي وهكذا‏.‏ ولو بقي الحال على هذا المنوال لطال أمد القتال بلا جدوى لكن عبد اللَّه رأى أن يحارب بنصف الجيش في الصباح والنصف الآخر بعد الظهر حتى لا يتمكن العدو من الراحة كما ألف‏.‏

وعبد اللَّه بن الزبير بن العوام أمه أسماء بنت أبي بكر الصدَّيق ذات النطاقين ـ وهو أول ‏[‏ص 64‏]‏ مولود في الإسلام بعد الهجرة ـ فحنكه رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بتمرة لاكها في فيه، ثم حنكه بها، فكان ريق رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ أول شيء دخل جوفه، وسماه عبد اللَّه، وكان صوّامًا قوّامًا، طويل الصلاة، عظيم الشجاعة‏.‏ وقد أخطأ جيبون في كتابه‏:‏ ‏"‏سقوط الدولة الرومانية‏"‏ فتوَّهم أن الذي انتصر في هذه الموقعة هو الزبير نفسه الذي تسلق حصن بابليون، والصواب أنه عبد اللَّه بن الزبير، كما ذكره ابن الأثير وابن خلدون‏.‏

انهزم الروم وقتل منهم خلق كثير وقتل جرجير‏.‏ قتله ابن الزبير وأخذت ابنته سبية وكانت تحارب مع أبيها وهي موصوفة بالجمال وتحسن ركوب الخيل وتجيد الرمي‏.‏ وحاصر المدينة عبد اللَّه بن سعد حتى فتحها ووجد فيها من الأموال شيئًا كثيرًا، وكان سهم الفارس 3000 دينار وسهم الراجل ألفًا، وقد دام القتال خمسة عشر شهرًا‏.‏

ولما فتح عبد اللَّه مدينة سبيطلة بثَّ جيوشه في البلاد، فبلغت قَفْصَة ‏[‏قَفْصَة‏:‏ هي بلدة صغيرة بينها وبين القيروان ثلاثة أيام‏]‏ فسبوا وغنموا، وسير عسكره إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد فحاصره، وفتحه بالأمان، فصالحه أهل أفريقية على 2‏.‏500‏.‏000 دينار ‏[‏وقيل بذلوا له 300 قنطار من الذهب‏]‏‏.‏ ونفل عبد اللَّه بن الزبير ابنة الملك، وأرسل إلى عثمان البشارة، وكان مقام عبد اللَّه بن سعد سنة وثلاثة أشهر وذلك سنة 27 هـ، وحمل الخمس إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بمبلغ 500‏.‏000 دينار فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما أُخذ عليه ‏[‏ابن كثير، البداية والنهاية ج 7/ص 152‏]‏‏.‏

ومروان بن الحكم هو ابن عم عثمان، وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان فردهما، واستكتب عثمان مروان وضمَّه إليه‏.‏

وفي ذلك بقول عبد الرحمن الكندي‏:‏

سأحلف باللَّه جهد اليميـ * ــن ‏(‏اليمين‏)‏ ما ترك اللَّه أمرًا سدى

ولكن خلقت لنا فتنة * لكي نبتلي بك أو تبتلي

دعوت اللعين فأدنيته * خلافًا لسنة من قد مضى

وأعطيت مروان خمس العبا * د ‏(‏العباد‏)‏ ظلمًا لهم وحميت الحمى

كان بيع خمس الغنائم لمروان ‏[‏ذكر ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 484‏:‏ ‏"‏وحمل خُمس أفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار، فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما أُخذ عليه‏"‏‏]‏‏.‏ مما أخذ على عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ‏:‏ ‏[‏ص 65‏]‏‏.‏

أولًا‏:‏ لأن مروان ابن عمه‏.‏

ثانيًا‏:‏ لأنه لا يُعلم على أي أساس قدر الخمس بهذا المبلغ فقد يساوي أضعاف ذلك‏.‏

ثالثًا‏:‏ لأن عثمان هو الذي دفع المبلغ‏.‏

رابعًا‏:‏ لأنه لم تجر سنة رسول اللَّه وأبي بكر وعمر ببيع الغنائم لا إلى غريب، ولا إلى قريب، بل كانت توزع على المسلمين في الحال‏.‏ أما ابن الزبير فإنه رجع إلى عثمان بالبشارة بفتح أفريقية ومعه ابنة جرجير‏.‏ وقيل‏:‏ بل وقعت لرجل آخر من الأنصار‏.‏

  فتح قبرص

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 600، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 488، السيوطي، تاريخ الخلفاء ص 123‏:‏ ‏"‏وفي سنة سبع وعشرين هجرية غزا معاوية قُبْرُس‏"‏، الذهبي، تاريخ الإسلام ج 3/ص 325‏]‏ ‏(‏سنة 28 هـ/ 649 م‏)‏‏:‏

قبرص ‏[‏وهي عند الطبري في تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 600، وابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 488، والسيوطي، تاريخ الخلفاء ص 123، والذهبي في تاريخ الإسلام ج 3/ص 325‏:‏ ‏"‏قُبْرُس‏"‏ بالسين، والمؤلف هنا أوردها بالصاد‏]‏‏.‏ من أكبر جزائر البحر الأبيض المتوسط في أقصى شرقيه، وهي جزيرة جبلية بها سلسلتان من الجبال‏.‏ يشتغل أهلها بالزراعة وأرضها خصبة جدًا، وكانت تابعة للإمبراطورية الرومانية‏.‏ كان فتح قبرص على يد معاوية سنة 28 هـ غزاها في هذه السنة، وغزاها معه جماعة من الصحابة، فيهم أبو ذر ‏[‏أبو ذر الغفاري هو جندب بن جُنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، أبو ذر، صحابي من كبارهم، قديم الإسلام، يقال‏:‏ أسلم بعد أربعة وكان خامسًا، يضرب به المثل في الصدق، هو أوَّل من حيَّا رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بتحية الإسلام، هاجر بعد وفاة النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ إلى بادية الشام، فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر وولي عثمان، فسكن دمشق وجعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم، فاضطرب هؤلاء، فشكاه معاوية ـ وكان والي الشام ـ إلى عثمان الخليفة، فاستقدمه الأخير إلى المدينة، فاستأنف على نشر رأيه، فأمره عثمان بالرحيل إلى الربذة وهي قرية من قرى المدينة، فسكنها إلى أن مات سنة 32 هـ، ولمَّا مات لم يكن في داره ما يكفَّن به وذلك لأنه كان كريمًا لا يخزن من المال قليلًا ولا كثيرًا، ولعل أول اشتراكي طاردته الحكومات‏.‏ في اسمه واسم أبيه خلاف‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ طبقات ابن سعد ج 4/ص 161، الإصابة ج 7/ص 60، صفة الصفوة ج 1/ص 238، حلية الأولياء ج 1/ص 156، ذيل المذيّل ص 27، الذريعة ج 1/ص 316، الكنى والأسماء ج 1/ص 28‏]‏، ‏[‏ص 66‏]‏ وعبادة بن الصامت ‏[‏عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة الأولى والثانية، وكان نقيبًا على قوافل بني عوف بن الخزرج، وآخى رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بينه وبين أبي مرئد الغنوي، وشهد بدرًا، وأحدًا، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، واستعمله على بعض الصدقات، وكان يُعلِّم أهل الصفة القرآن، ولما فتح المسلمون الشام، أرسله عمر بن الخطاب، وأرسل معه معاذ بن جبل، وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن ويفقِّهوهم في الدين، وأقام عبادة بحمص وكان طويلًا جسيمًا جميلًا‏]‏، ومعه زوجته أم حرام ‏[‏هي أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية، الخزرجية، وهي خالة أنس بن مالك ـ رضي اللَّه عنه ـ وزوجة عبادة بن الصامت ـ رضي اللَّه عنه ـ، توفيت بقبرس سنة 27 هـ ودفنت بها‏.‏ ابن الأثير، الكامل في التاريخ ص 489 الهامش رقم ‏(‏1‏)‏‏.‏

‏[‏وأبو الدرداء‏]‏ هو عويمر بن مالك بن قيس بن أمية، الأنصاري، الخزرجي، أبو الدرداء، وهو مشهور بهذا الاسم، المتوفى سنة 32 هـ، صحابي، من الحكماء والفرسان القضاة، كان قبل البعثة تاجرًا، ثم انقطع للعبادة، اشتهر بالشجاعة والنسك، هو أوَّل قاضٍ في الشام، ولاه معاوية بأمر من عمر، قال ابن الجزري‏:‏ ‏"‏كان من العلماء الحكماء، وهو أحد الذين جمعوا القرآن، حفظًا على عهد النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بلا خلاف‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ج 1/ص 11، حلية الأولياء ج 1/ص 167، الاستيعاب ج 3/ص 250، التاج ج 2/ص 300، غاية النهاية ج 1/ص 260، صفة الصفوة ج 1/ص 57، حُسن الصحابة 110، تاريخ الإسلام للذهبي ج 2/ص 123، الكوكب الدرية ج 1/ص 260، تهذيب التهذيب ج 8/ص 160، تاريخ البخاري الكبير ج 7/ص 177، الثقات ج 3/ص 168، أُسد الغابة ج 4/ص 200، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 300، طبقات ابن سعد ج 2/107‏.‏‏]‏، وشداد بن أوس ‏[‏هو شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي، الأنصاري، أبو يعلى، صحابي من الأمراء، ولاه عمر ولاية حمص، لما قُتل عثمان اعتزل، وعكف على العبادة، كان فصيحًا، حليمًا، حكيمًا، قال أبو الدرداء‏:‏ ‏"‏لكل أمة فقيه، وفقيه هذه الأمة شداد بن أوس‏"‏‏.‏ توفي في القدس سنة 58 هـ، عن 75 سنة‏.‏ له في كتب الحديث روايات‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ تهذيب الكمال ج 1/ص 573، تهذيب التهذيب ج 1/ص 347، خلاصة تهذيب الكمال ج 1/ص 444، الكاشف ج 2/ص 5، الثقات ج 2/ص 185، أُسد الغابة ج 2/ص 547، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 253، الاستيعاب ج 2/ص 694، الإصابة ج 3/ص 319، طبقات ابن سعد ج 2/ص 374، صفة الصفوة ج 1/ص 296، حلية الأولياء ج 1/ص 264‏]‏‏.‏ واستعمل عليهم عبد اللَّه بن قيس الحارثي ‏[‏هو عبد اللَّه بن قيس الحارثي، حليف بني فزارة، أمير البحر في صدر الإسلام، كان مقيمًا في الشام، أراد معاوية غزو قبرس فولاه قيادة الغزاة سنة 27 هـ فتقدم يريدها فالتقى بعبد اللَّه بن سعد قادمًا في غزو مصر، فصالحهما أهل قبرس على سبعة آلاف دينار يؤدونها كل سنة، غزا خمسين غزاة، صيفًا وشتاءً، ولم يغرق من جيشه أحد، ولم ينكب، قتله الروم وهو يطوف في أحد المرافئ متخفَّيًا، دلَّتهم عليه امرأة كانت تتسوَّل فأعطاها، فعرفته فراسة‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الكامل لابن الأثير ج 3/ص 37، الإصابة ترجمة 6335‏]‏‏.‏ وكان معاوية قد ألحَّ على عمر بن الخطاب في غزو ‏[‏ص 67‏]‏ البحر لقرب الروم من حمص‏.‏ وقال‏:‏ إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نُباح كلابهم وصياح دجاجهم‏.‏ فكتب عمر إلى عمرو بن العاص‏:‏ صف لي البحر وراكبه‏.‏ فكتب إليه عمرو بن العاص‏:‏

‏"‏إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء‏.‏ إن ركد خرق القلوب وإن تحرك أزاغ العقول‏.‏ يزاد فيه اليقين قلة‏.‏ والشك كثرة‏.‏ وهم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن اعتدل برق‏"‏ ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 600، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 488‏]‏‏.‏

فلما قرأ الكتاب عمر كتب إلى معاوية‏:‏

‏"‏والذي بعث محمدًا ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بالحق لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا، وقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض فيستأذن اللَّه في كل يوم وليلة أن يغرق الأرض‏!‏‏!‏ فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر باللَّه، لمسلم أحب إليَّ مما حوت الروم وإياك أن تعرض إليَّ فقد علمت ما لقي العلاء مني‏"‏ ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 600، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 488‏]‏‏.‏

إن هذا الكتاب غريب فإنه يدل على أن العرب كانوا يخشون البحر، وقد حسبه عمر خطرًا يهدد الأرض بالغرق كل يوم وليلة واعتبره كافرًا‏.‏ وعلى كل حال كان عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ يكره أن يجازف بالمسلمين في البحر‏.‏

فلما كان زمن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر وألحَّ عليه في ذلك‏.‏ وأخيرًا أجابه عثمان‏.‏ ولكنه احتاط فلم يجعل التجنيد إجباريًا بل جعله اختياريًا حيث قال‏:‏ ‏"‏لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم‏.‏ خيِّرهم، فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله وأعنه‏"‏‏.‏ وبهذه نراه أجاب معاوية من جهة، ومن جهة أخرى لم يجازف بإرسال المسلمين، فجعل التجنيد ‏[‏ص 68‏]‏ اختياريًا حتى إذا ما هزموا لم يكن ملومًا، والظاهر أنه كان لا يزال متأثرًا برأي عمر من حيث تخوفه من البحر‏.‏ فأول أسطول جهزه المسلمون كان لغزو قبرص سنة 28 هـ تحت قيادة عبد اللَّه بن قيس، وسار إليها عبد اللَّه بن سعد من مصر بسفن أقلعت من الإسكندرية فاجتمعوا غليها فصالحهم أهلها على جزية 7000 دينار كل سنة ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 601، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 489‏]‏‏.‏ يؤدون إلى الروم مثلها ولا منعة لهم على المسلمين ممن أرادهم من سواهم، وعلى أن يكونوا عونًا للمسلمين على عدوهم ويكون طريق الغزو للمسلمين عليهم‏.‏ وعلى ذلك أخذت قبرص بسهولة فقد كانت الحامية المسيحية فيها ضعيفة‏.‏ وقيل‏:‏ إن عبد اللَّه بن قيس غزا في البحر خمسين غزوة بين شاتية وصائفة، ولم يغرق فيه أحد، ثم إنه قتل عندما كان مشتغلًا بكشف مرفأ في الروم، إذ خرج في قارب طليعة، فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم، فعرفوه وقتلوه، ذلك في آخر زمان عبد اللَّه بن قيس الحارثي‏.‏

وفي هذه الغزوة ماتت أم حرم بيت ملحان الأنصارية زوجة عبادة بن الصامت‏.‏ ألقتها بغلتها بجزيرة قبرص فاندقت عنقها فماتت تصديقًا للنبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏

وقد كان رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ يكرمها ويزورها في بيتها ويقيل عندها، وأخبرها أنها شهيدة‏.‏ ففي ذات يوم نام في بيتها فاستيقظ وهو يضحك وقال‏:‏ ‏(‏عُرض عليَّ ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة‏)‏‏.‏ فقالت‏:‏ يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏إنك منهم‏)‏‏.‏ ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقالت‏:‏ يا رسول اللَّه ما يضحكك‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏عُرض عليَّ ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة‏)‏‏.‏ قالت‏:‏ يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم‏.‏ قال‏:‏ أنت من الأولين‏"‏ ‏[‏رواه أحمد في ‏(‏م 6/ص 361‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏ فتزوجها عبادة بن الصامت فأخرجها معه، فلما جاز البحر ركبت دابة فصرعتها فقتلتها وقد دفنت رحمها اللَّه في قبرص‏.‏

وفي هذه السنة 28 هـ تزوج عثمان نائلة ابنة الفرافصة، وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 603‏]‏‏.‏ وسيأتي لها ذكر عند مقتل عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ‏.‏ وفيها بنى عثمان داره بالمدينة المسماة بالزوراء وفرغ منها‏.‏

 عزل أبي موسى الأشعري عن البصرة وتولية عبد اللَّه بن عامر

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 604، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 491‏.‏‏]‏ ‏(‏سنة 29 هـ/ 650 م‏)‏ ‏[‏ص 70‏]‏‏.‏ عزل عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ في سنة 29 هـ أبا موسى الأشعري عن البصرة لثلاث سنين مضت من خلافته‏.‏ وولى عبد اللَّه بن عامر بن كريز ‏[‏هو عبد اللَّه بن عامر بن كُريز بن ربيعة، الأموي، أبو عبد الرحمن، أمير فاتح، ولد بمكة سنة 4 هـ، ولي البصرة أيام عثمان سنة 29 هـ، فوجَّه جيشًا إلى سجستان فافتتحها صلحًا، وافتتح الدوار وغيرها، قُتل عثمان وهو على البصرة، شهد وقعة الجمل ولم يحضر صفِّين، ولاه معاوية البصرة ثلاث سنين بعد اجتماع الناس على خلافته، ثم صرفه منها، فأقام في المدينة ومات بمكة سنة 59 هـ، دفن بعرفات، كان شجاعًا، سخيًا، وصولًا لقومه، رحيمًا، محبًا للعمران، هو أول من اتخذ الحياض بعرفة، وأجرى إليها العين، وسقى الناس الماء، قال الإمام عليّ‏:‏ ‏"‏ابن عامر سيد فتيان قريش‏"‏، ولما بلغ معاوية نبأ وفاته قال‏:‏ ‏"‏يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، بمن نفاخر ونباهي‏"‏‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ تاريخ الإسلام للذهبي ج 2/ص 266، طبقات ابن سعد ج 5/ص 30، البدء والتاريخ ج 5/ص 109، أشهر مشاهير الإسلام ص 854، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 206‏]‏ وهو ابن خاله ‏[‏ابن كثير، البداية والنهاية ص 154‏]‏‏.‏

وكان سبب عزل أبي موسى أن أهل ايْذَج ‏[‏أيذج‏:‏ كورة وبلد بين خوزستان وأصبهان، وهي في وسط الجبال، يقع بها ثلج كثير، زرعهم على الأمطار، لهم بطيخ كثير، وهي كثيرة الزلازل، وبها معادن كثيرة، وبها بيت نار قديم كان يوقد إلى أيام الرشيد‏]‏، والأكراد كفروا، فنادى أبو موسى في الناس وحضَّهم وندبهم، وذكر من فضل الجهاد في الرُّجلة ‏[‏الرُّجْلة‏:‏ القوة على المشي‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ رَجَلَ‏]‏‏.‏

‏]‏ حتى حمل نفر على دوابهم وأجمعوا على أن يخرجوا رجالًا ‏[‏رجالًا‏:‏ أي ماشين‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ رَجَلَ‏]‏‏.‏‏]‏‏.‏ وقال آخرون‏:‏ لا واللَّه لا نعجل بشيء حتى ننظر ما يصنع، فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما يقول، فلما خرج أخرج ثقله ‏[‏ثقله‏:‏ أمتعته وأثقاله كلها‏]‏ من قصره على أربعين بغلًا، فتعلقوا بعنانه وقالوا‏:‏ احملنا على بعض هذه الفضول وارغب في المشي كما رغَّبتنا، فضرب القوم بسوطه، فتركوا دابته فمضى، وأتوا عثمان فاستعفوه منه، وقالوا‏:‏ ما كل ما نعلم نحب أن نقوله فأبدلنا نه‏.‏ فقال‏:‏ من تحبون‏؟‏ فقالوا‏:‏ غيلان بن خرشة، في كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضًا وأحيا أمر الجاهلية فينا‏.‏ أما منكم خسيس فترفعوه‏!‏ أما منكم فقير فتجبروه‏!‏ يا معشر قريش حتى ‏[‏ص 71‏]‏ يأكل هذا الشيخ الأشعري هذه البلاد‏؟‏ فانتبه لها عثمان فعزل أبا موسى وولَّى عبد اللَّه بن عامر، فلما سمع أبو موسى قال‏:‏ يأتيكم غلام عمر، خراج، ولاَّج، كريم الجدات، والخالات، والعمات، يجمع له الجندان، وكان عمر عبد اللَّه خمسًا وعشرين سنة، وجمع له جند أبي موسى، وجند عثمان بن أبي العاص الثقفي ‏[‏هو عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان أبو عبد اللَّه، الثقفي، من أهل الطائف، أسلم في وفد ثقيف، استعمله النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ على الطائف، فبقي في عمله لأيام عمر، المتوفى سنة 51 هـ، وهو الذي منع ثقيفًا عن الردَّة، خطبهم فقال‏:‏ ‏"‏كنتم آخر الناس إسلامًا فلا تكونوا أولهم ارتدادًا‏"‏‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ طبقات ابن سعد ج 5/ص 66، جمهرة الأنساب ص 118، تهذيب التهذيب ج 7/ص 67، تقريب التهذيب ج 2/ص 90، خلاصة تهذيب الكمال ج 2/ص 13، الكاشف ج 2/ص 55، تاريخ البخاري الكبير ج 6/ص 80، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 112، الجرح والتعديل ج 6/ص 200، البداية والنهاية ج 8/ص 155، الثقات ج 3/ص 301، أُسد الغابة ج 3/ص 267، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 310، الإصابة ج 4/ص 225، الاستيعاب ج 3/ص 112، سير الأعلام ج 2/ص 11، أسماء الصحابة الرواة ترجمة ص 95‏]‏ من عمان والبحرين، واستعمل على خراسان عمير بن عثمان بن سعد ‏[‏هو عمير بن سعد بن عبيد الأوسي، الأنصاري، صحابي من الولاة الزُّهَّاد، وكان عمر يقول‏:‏ ‏"‏وددت أن لي رجالًا مثل عمير بن سعد أستعين بهم على أعمال المسلمين‏"‏‏.‏ وفي تقريب التهذيب‏:‏ ‏"‏كان عمر بن الخطاب يسميه ‏"‏نسيج وحده‏"‏ وهي كلمة تطلق على الفائق‏"‏‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ترجمة 6038، صفة الصفوة ج 1/ص 280، حلية الأولياء ج 1/ص 85، تهذيب الكمال ج 2/ص 76، تهذيب التهذيب ج 8/ص 165، تقريب التهذيب ج 2/ص 260، خلاصة تهذيب الكمال ج 2/ص 300، تعجيل المنفعة ج/ص 400، تاريخ البخاري الكبير ج 6/ص 110، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 200، الجرح والتعديل ج 6/ص 371، الثقات ج 3/ص 153، أُسد الغابة ج 2/ص 250، الاستيعاب ج 3/ص 201‏]‏، وعلى سجستان عبد اللَّه بن عمير الليثي وهو من ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير في خراسان حتى بلغ فرغانة لم يدع دونها كورة إلا أصلحها، وبعث إلى مكران عبيد اللَّه بن معمر‏[‏هو عبد اللَّه بن معمر بن عثمان التيمي القرشي، أمير من القادة الشجعان الأشداد، ومن أجواد قريش، ولاه عثمان بن عفان قيادة جيش الفتح في أطراف اصطخر، ونشبت معارك استشهد في إحداها، وبلغ من قوته أنه كان يأخذ عظم البقر الشديد الذي لا يكسر إلا بالفؤوس فيكسره بيده ويأخذ مخَّه‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ترجمة 5319، ابن الأثير، الكامل في التاريخ أحداث سنة 23‏]‏، فأثخن فيها حتى بلغ النهر، وبعث إلى كرمان عبد الرحمن بن ‏[‏ص 72‏]‏ عبيس، وبعث إلى الأهواز وفارس نفرًا، ثم عزل عبد اللَّه بن عمير، واستعمل عبد اللَّه بن عامر فأقره عليها سنة، ثم عزله واستعمل عاصم بن عمرو ‏[‏هو عاصم بن عمرو التميمي، أحد الشعراء الفرسان، من الصحابة، له أخبار وأشعار في فتوح العراق، أبلى في القادسية البلاء الحسن‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ترجمة 4349‏]‏ وعزل عبد الرحمن بن عبيس وأعاد عدي بن سهيل بن عدي ‏[‏هو عدِّي بن حاتم بن عبد اللَّه بن سهيل بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أحزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ، أبو طريف، الطائي، المتوفى سنة 68 هـ وله من العمر 120 سنة، صحابي شهير ممن ثبت على الإسلام وحضر فتوح العراق وحروب علي‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ تهذيب الكمال ج 2/ص 120، تهذيب التهذيب ج 7/ص 282، تقريب التهذيب ج 2/ص 10، خلاصة تهذيب الكمال ج 2/ص 311، الكاشف ج 2/ص 111، تعجيل المنفعة ج 1/ص 16، تاريخ البخاري الكبير ج 7/ص 220، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 301، الجرح والتعديل ج 7/ص 265، الثقات ج 3/ص 110، أُسد الغابة ج 4/ص 225، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 312، الإصابة ج 4/ص 65، الاستيعاب ج 3/ص 200، أسماء الصحابة الرواة ترجمة 49، طبقات ابن سعد ج 1/ص 209‏.‏‏]‏، وصرف عبيد اللَّه بن معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان، واستعمل على خراسان أمير ‏[‏ورد في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 605‏:‏ ‏"‏أمين‏"‏، وفي ابن الأثير، الكامل في التاريخ‏:‏ ‏"‏أُمَيْر‏.‏‏"‏‏]‏ بن أحمر اليشكري، واستعمل على سجستان سنة أربع عمران بن الفضيل البرجمي، ومات عاصم بن عمرو بكرمان ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 605، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 492‏]‏‏.‏

 عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ يصلي بمِنَى صلاة المقيم

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 606، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 494‏.‏‏]‏ ‏(‏سنة 29 هـ/ 650 م‏)‏‏:‏

صلى عثمان بالناس بمنى أربعًا، فأتى آتٍ عبد الرحمن بن عوف فقال‏:‏ هل لك في أخيك‏؟‏ قد صلى بالناس أربعًا‏.‏ فصلى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين، ثم خرج حتى دخل على عثمان فقال له‏:‏ ألم تصلِّ في هذا المكان مع رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ركعتين‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أفلم تصلِّ مع أبي بكر ركعتين‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أفلم تصلِّ مع عمر ركعتين‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ألم تصلِّ صدرًا من خلافتك ركعتين‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ ثم قال‏:‏ فاسمع مني يا أبا محمد، إني أخبرت أن بعض من حج ‏[‏ص 73‏]‏ من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي‏:‏ إن الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وقد اتخذت بمكة أهلًا فرأيت أن أصلي أربعًا لخوف ما أخاف على الناس، وأخرى قد اتخذت بها زوجة ولي بالطائف مال، فربما أطلعته فأقمت بعد الصدر‏.‏ فقال عبد الرحمن بن عوف‏:‏ ما من هذا شيء لك فيه عذر‏.‏ أما قولك‏:‏ اتخذت أهلًا فزوجتك في المدينة تخرج بها إن شئت، وتقدم بها إذا شئت إنما تسكن بسكناك‏.‏ وأما قولك‏:‏ ولي مال بالطائف، فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال، وأنت لست من أهل الطائف‏.‏ وأما قولك‏:‏ يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم، فقد كان رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ينزل عليه الوحي والناس يومئذٍ الإسلام فيهم قليل، ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر‏.‏ فضرب الإسلام بجرانه فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين‏.‏ فقال عثمان‏:‏ هذا رأي رأيته‏.‏

 موقعة الصواري

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 618، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 13، ابن كثير، البداية والنهاية ج 7/ص 157‏.‏‏]‏ ‏(‏سنة 31 هـ/ 652 م‏)‏‏:‏

بعد ثلاث سنين من سقوط قبرص في يد المسلمين خرج الروم في جمع لم يجتمع مثله لهم قط منذ كان الإسلام فخرجوا في أسطول مؤلف من 500 سفينة، وقيل أكثر‏.‏ وتحدُّوا المسلمين وعليهم عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح الذي جهز كل سفينة في مصر، وكانت مراكب المسلمين مائتي مركب ونيفًا، واختار جيشًا من الشجعان، فأمن الفريقان بعضهم بعضًا حتى قرنوا بين سفن المسلمين والروم بين صواريها، وكانت الريح هبَّت فرست السفن على الشاطئ، وربط المسلمون السفن بعضها إلى ببعض بالقرب من الإسكندرية، واشتبك القتال بين الفريقين ووثب الرجال على الرجال يتضاربان بالسيوف على السفن حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج وطرحت الأمواج جثث الرجال فقتل من المسلمين بشر كثير وقتل من الروم عدد كثير أيضًا، وصبروا يومئذ صبرًا لم يصبروا مثله في موطن قط‏.‏ وفي النهاية عجز الروم عن مقاومة المسلمين لشجاعتهم وحسن بلائهم، وانهزموا، وفرَّ قائدهم إلى سرقوسة ‏(‏Syracause‏)‏ وهي أكبر مدينة بجزيرة صقلية ‏[‏صِقِلِّية‏:‏ بثلاث كسرات وتشديد اللام والياء أيضًا مشدَّدة، وبعضهم يقول‏:‏ بالسين، وأكثر أهل صقلّية يفتحون الصاد واللام، وهي من جزائر البحر الأبيض المتوسط، مثلثة الشكل، خصيبة وبها مدينة بلرم‏.‏ ذكر ابن حمديس صقلية في شعره فقال‏:‏

ذكرت صقلية والهوى *** بهيج للنفس تذكارها

فإن كنت أخرجت من جنة *** فإني أحدث أخبارها

ولمَّا فتحها المسلمون عمروها، وأحسنوا عمارتها بعد أن كانت خاملة، وفيها كثير من الفواكه‏]‏‏.‏ ‏(‏Scile‏)‏‏.‏

  من هو قائد الروم في موقعة الصواري؟

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 618، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 14‏.‏‏]‏‏؟‏ ‏[‏ص 74‏]‏‏.‏

جاء في تاريخ الطبري وصف معركة الصواري وذكر قائد الروم كما يلي ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 619‏]‏‏.‏

‏"‏فلقوا جموع الروم في خمسمائة أو ستمائة فيها القسطنطين بن هرقل فقال‏:‏ أشيروا عليَّ‏.‏ قالوا‏:‏ ننظر الليلة، فباتوا يضربون بالنواقيس، وبات المسلمون يصلون ويدعون اللَّه، ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين أن يقاتل، فقربوا سفنهم، وقرب المسلمون، فربطوا بعضها إلى بعض، وصف عبد اللَّه بن سعد المسلمين على نواحي السفن، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن، ويأمرهم بالصبر، ووثب الروم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها فكانوا يقاتلون على غير صفوف‏.‏ فاقتتلوا قتالًا شديدًا‏.‏ ثم إن اللَّه نصر المؤمنين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد‏.‏‏"‏

فأنت ترى أن اسم القائد الروماني في موقعة الصواري كما ذكره الطبري ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 618‏]‏‏.‏ ‏"‏القسطنطين بن هرقل‏"‏، وذكره ابن الأثير ‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 13‏.‏‏]‏ في تاريخه بدون أداة تعريف ‏"‏قسطنطين‏"‏‏.‏ واكتفى الأستاذ موير ‏[‏هو وِلْيَم مُوِير ‏(‏1234 هـ 1323 هـ، 1819 م ـ 1905 م‏)‏ مستشرق بريطاني من أصل اسكتلندي، أمضى حياته في خدمة الحكومة البريطانية، بالهند، دخل البنغال وعمل في الاستخبارات، تعلم الحقوق في جامعتي ‏(‏جلاسجو وايدنبرج‏)‏ وكان سكرتيرًا لحكومة الهند سنة 1865ـ 1868 م، ثم عُيِّن مديرًا لجامعة ايدنبرج سنة 1885ـ 1902 م، له‏:‏ شهادة القرآن لكتب أنبياء الرحمن، السيرة النبوية، تاريخ الخلافة الإسلامية، تاريخ دولة المماليك في مصر، وله مقالات في شعراء العرب‏]‏ في كتابه ‏(‏الخلافة ص 206 طبعة سنة 1924‏)‏ بقوله‏:‏

‏"‏إن قائد الروم أبحر إلى سرقوسة، وهنالك غضب عليه أهلها لانهزامه وعجلوا بقتله في حمامه‏"‏ وكتب في الهامش‏:‏ إن كنستانس الثاني ـ بناء على رأي تيوفان ـ هو الذي قتل بهذه الكيفية‏.‏ وقال الأستاذ واشنجتون ‏[‏واشنطون‏]‏ ايرفنج ‏[‏إيرفينغ واشنطن ‏(‏1783 م ـ 1859 م‏)‏ أديب أميركي، من رواد الأدب في أميركا الشمالية‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ المنجد في اللغة والأعلام‏.‏‏]‏‏:‏ ‏"‏إن الإمبراطور فرَّ بالمراكب‏"‏‏.‏ والحقيقة أن قائد الروم في ‏[‏ص 75‏]‏ موقعة الصواري هو كنستانس الثاني الذي ذكره مؤرخو العرب باسم قسطنطين، وكان هذا الإمبراطور يلقب بـ‏:‏ ‏"‏هرقل‏"‏ وسمي عند تتويجه بـ‏:‏ ‏"‏قسطنطين‏"‏، إلا أن تيوفان يسميه ‏"‏كنستانس‏"‏ وهو معروف بكنستانس الثاني واسمه الرسمي ‏"‏قسطنطين‏"‏ فهو بالضبط كنستانس الثاني ابن قسطنطين الثالث ابن هرقل، وكان موله سنة 630 م‏.‏ وذكرت دائرة المعارف البريطانية في الطبعة الأخيرة‏:‏ ‏"‏أنه قتل في الحمام من غير أن تذكر أسباب قتله‏"‏‏.‏

وجاء في المقريزي‏:‏ ‏"‏فبعث اللَّه عليهم ريحًا فغرقتهم إلا قسطنطين، فإنه نجا بمركبه، فألقته الريح بصقلية‏.‏ فسألوه عن أمره، فأخبرهم‏.‏ فقالوا‏:‏ شتتت النصرانية، وأفنيت رجالها‏.‏ ولو دخلت العرب علينا لم نجد من يردهم‏.‏ فقال‏:‏ خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا‏.‏ فصنعوا له الحمام ودخلوا عليه‏.‏ فقال‏:‏ ويلكم يذهب رجالكم وتقتلون ملككم‏!‏ قالوا‏:‏ كأنه غرق معهم، ثم قتلوه، وخلوا من كان معه في المركب‏.‏

وفي هذه السنة ـ 31 هـ غزا عبد اللَّه غزوة الأساود حتى بلغ دنقلة‏.‏

 بدء الطعن على عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ

‏[‏المسعودي، مروج الذهب ج 2/ص 347‏]‏‏:‏

أقام عبد اللَّه بن سعد بذات الصَّوَاري بعد الهزيمة أيامًا، ورجع فكان أول ما تكلم به ‏"‏محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن ‏[‏هو محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن مناف، صحابي من الأمراء، ولد بأرض الحبشة في عهد النبوة، استشهد أبوه يوم اليمامة، فربَّاه عثمان بن عفان، فلما شَبَّ رغب في غزو البحر فجهزه عثمان وبعثه إلى مصر، فغزا غزوة الصواري مع عبد اللَّه بن سعد، ولما عاد منها جعل يتألف الناس، وأظهر خلاف عثمان، فرأسوه عليهم، فوثب على والي مصر عقبة بن عامر سنة 35 هـ‏.‏ وأخرجه من الفسطاط، دعا إلى خلع عثمان، فكتب إليه يذَّكره بتربيته له ويعاتبه، فلم يرتجع، سيَّر جيشًا إلى المدينة فيه ستمائة رجل كانت لهم يد في مقتل عثمان، أقره عليٌّ على إمارة مصر، ولما أراد معاوية الخروج إلى صفِّين بدأ بمصر، فقاتله محمد في العريش، ثم تصالحا، فاطمأن محمد، فلم يلبث معاوية أن قبض عليه وسجنه في دمشق، ثم أرسل إليه من قتله في السجن سنة 36 هـ‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ترجمة 7769‏]‏ أبي بكر ‏[‏هو محمد بن عبد اللَّه ‏(‏أبو بكر الصديق‏)‏ بن عثمان بن عامر التميمي القرشي، أمير مصر، وهو ابن الخليفة الأول أبو الصديق كان يدعى‏:‏ ‏"‏عابد قريش‏"‏ ولد بين المدينة ومكة في حجة الوداع، نشأ في المدينة في حجر علي بن أبي طالب ـ وكان قد تزوج أمه أسماء بنت عميس بعد وفاة أبيه ـ وشهد مع علي وقعتي الجمل وصفِّين، وولاه على إمارة مصر، بعد موت الأشتر، فدخلها سنة 37 هـ‏.‏ ولما اتفق علي ومعاوية على التحكيم فات عليًا أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر، انصرف علي يريد العراق، فبعث معاوية عمرو بن العاص بجيش من أهل الشام إلى مصر، فدخلها حربًا، بعد معارك شديدة، واختفى ابن أبي بكر، فعرف معاوية بن خديج مكانه، فقبض عليه وقتله وأحرقه لمشاركته في مقتل عثمان بن عفان، وقيل‏:‏ لم يحرق‏.‏ دفنت جثته مع رأسه في مسجد يعرف بمسجد زمام خارج مدينة الفسطاط‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الولاة والقضاة ص 26، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 140، الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 6/ص 53، ابن إياس ج 1/ص 26‏]‏‏"‏ في أمر عثمان في هذه الغزوة، وأظهروا عيبه، ‏[‏ص 76‏]‏ وما غيَّر وما خالف به أبا بكر وعمر، ويقولان‏:‏ إنه استعمل عبد اللَّه بن سعد رجلًا كان رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ قد أباح دمه، ونزل القرآن بكفره، وأخرج رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ قومًا وأدخلهم‏.‏ ونزع أصحاب رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏ واستعمل سعيد بن العاص ‏[‏هو سعيد بن العاص بن أمية، الأموي، القرشي، ولد سنة 3 هـ، صحابي من الأمراء، الولاة، الفاتحين، ربيَّ في حجر عمر بن الخطاب، ولاه عثمان الكوفة وهو شاب، فلما بلغها خطب في أهلها ونسبهم إلى الشقاق والخلاف، فشكوه إلى عثمان، فاستدعاه إلى المدينة فأقام فيها إلى أن كانت الثورة عليه، فدافع سعيد عنه وقاتل دونه إلى أن قتل عثمان، فخرج إلى مكة، فأقام إلى أن ولي معاوية، فعهد إليه بولاية المدينة، فتولاَّها إلى أن مات، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان، توفي سنة 59 هـ، حسب قول الذهبي في تاريخ الإسلام، حوادث سنة 59 هـ‏.‏ للاستزادة راجع‏:‏ الإصابة ترجمة 3261، طبقات ابن سعد ج 5/ص 19، تهذيب ابن عساكر ج 6/ص 131، تاريخ الإسلام ج 2/ص 266، آثار المدينة المنورة للأنصاري ص 37‏]‏ وابن عامر‏.‏ فبلغ ذلك عبد اللَّه بن سعد فقال‏:‏ ألا تركبا معنا‏؟‏ فركبا في مركب ما معهما إلا القبط، فلقوا العدو، فكانا أقل المسلمين نكاية وقتالًا، فقيل لهما في ذلك، فقالا‏:‏ كيف نقاتل مع عبد اللَّه بن سعد، استعمله عثمان وعثمان فعل كذا وكذا‏؟‏ فأرسل إليهما عبد اللَّه ينهاهما، ويتهددهما، ففسد الناس بقولهما، وتكلموا ما لم يكونوا ينطقون به‏.‏

وروي أن محمد بن أبي حذيفة جعل يقول للرجل‏:‏ أما واللَّه لقد تركنا خلفنا الجهاد حقًا، فيقول الرجل‏:‏ وأيّ جهاد، فيقول‏:‏ عثمان بن عفان فعل كذا وكذا‏.‏ واستحل كلاهما دم عثمان‏.‏

ولد محمد بن أبي حذيفة بأرض الحبشة على عهد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان أخذه عثمان بن عفان عنده بعد أن قتل أبوه حذيفة فكفله إلى أن كبر، ثم سار إلى مصر فصار من أشد الناس تأليبًا على عثمان ‏[‏ص 77‏]‏‏.‏

وأما محمد بن أبي بكر فقد ولد في حجة الوداع بذي الحليفة لخمس بقين من ذي العقدة، والذي دعا محمد بن أبي حذيفة إلى الخروج على عثمان أنه كان يتيمًا في حجر عثمان، فسأله عثمان العمل حين ولي، فقال‏:‏ يا بني لو كنت رضًى، ثم سألتني العمل لاستعملتك، ولكن لست هناك‏.‏ قال‏:‏ فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني‏.‏ قال‏:‏ اذهب حيث شئت، وجهَّزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية‏.‏

ثم إن الذي دعا محمد بن أبي بكر إلى الطعن في عثمان أن محمدًا كانت عليه دالة، فلزمه حق، فأخذه عثمان من ظهره ولم يُدْهِن فاجتمع هذا إلى هذا فصار مذممًا بعد أن كان محمدًا‏.‏

 عزل الوليد بن عقبة عن الكوفة

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 608، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 3‏]‏‏.‏

كان للكوفة شأن عظيم، وتأثير في مجرى الحوادث في ذلك الوقت، وقد أخذ أهلها يتذمرون ويتحزبون، ويثيرون الفتن على الولاة، فلم تطل ولاية المغيرة على الكوفة ‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 53‏]‏، فعزله عثمان، وولى مكانه سعد بن أبي وقاص، عملًا بوصية عمر، إلى أن حدث الخلاف بينه وبين ابن مسعود، الذي كان على بيت المال ‏[‏أي وزيرًا للمالية‏]‏، فغضب عثمان على سعد، فعزله، وولى مكانه الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان لأمه‏.‏ وكان شجاعًا، لكنه كان متهمًا بشرب الخمر، ثم إن أبا عقبة بن أبي معيط كان من أشد الناس عداوة لرسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، ومن المستهزئين به، ولما أسر في غزوة بدر وقدم للقتل نادى‏:‏ يا معشر قريش ما لي أقتل بينكم صبرًا‏؟‏‏!‏ فقال له النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏بكفرك واجترائك على اللَّه ورسوله‏"‏ ‏[‏رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ‏(‏6‏:‏ 89‏)‏‏.‏‏]‏، وعقبة ‏[‏كان عقبة بن أبي معيط تزوج أروى بعد وفاة عفَّان، فولدت له الوليد، وخالدًا، وعمارة، وأم كلثوم، كل هؤلاء أخوة عثمان لأمه‏.‏‏]‏ هو الذي وضع سلا الجزور على ظهر النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو ساجد‏.‏ فهناك مجال واسع للطعن على ولاية الوليد بن عقبة‏:‏

أولًا‏:‏ لأنه ابن عقبة بن أبي معيط المعروف بعدائه لرسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏

ثانيًا‏:‏ لأنه هو الذي ذكر في القرآن بقوله تعالى‏:‏‏{‏إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 6‏]‏‏.‏

ثالثًا‏:‏ لأنه كان متهمًا بشرب الخمر ‏[‏ص 78‏]‏‏.‏

رابعًا‏:‏ لأن المسلمين يعلمون قرابته لعثمان، وقد كان من الصحابة من هو أحق منه بهذا المركز، ولا سيما سعد الذي كانت له مواقف مشهورة في حرب الفرس، ومع ذلك كان الوليد محبوبًا، وقام بغزوات عدة ظهرت فيها شجاعته، لكن أهل الكوفة حملوا عليه حملة شديدة‏.‏ وقد بقي خمس سنين وليس لداره باب‏.‏ ثم إن شُبانًا من أهل الكوفة نقبوا على ابن الحَيْسُمَان الخزاعي وكاثروه فنذر بهم ‏[‏نَذَرَ بهم‏:‏ علم بهم واستعد لهم‏]‏‏.‏ وخرج عليهم بالسيف وصرخ، فأشرف عليهم أبو شريح الخزاعي وكان قد انتقل من المدينة إلى الكوفة للقرب من الجهاد‏.‏ فصاح بهم أبو شريح فلم يلتفتوا إليه وقتلوا ابن الحيْسمان وأخذهم الناس وفيهم زهير بن جُنْدَب الأزدي ومورَّع بن أبي مورع الأسدي وشبيل ابن أبيّ الأزدي وغيرهم فشهد عليهم أبو شريح وابنه فكتب فيهم الوليد إلى عثمان بقتلهم فقتلهم على باب القصر، في الرَّحبة‏.‏ ولهذا أخذ في القسامة ‏[‏القَسَامة‏:‏ بالفتح، الأيمان تُقسَم على أولياء القتيل إذا ادَّعوا الدم، يقال‏:‏ قتل فلان بالقَسَامة إذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل فادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليل دون البينة، فحلفوا خمسين يمينًا أن المدعى عليه قتل صاحبهم، فهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يسمَّون قَسَامَة أيضًا‏]‏‏.‏ بقول ولي المقتول عن ملأ من الناس ليكف الناس عن القتل‏.‏

وكان أبو زبيد الطائي الشاعر في الجاهلية والإسلام في بني تغلب وكانوا أخواله فجحدوه دينًا له، فأخذ له الوليد حقه إذا كان عاملًا عليهم فشكر أبو زبيد ذلك له وانقطع إليه، وغشيه بالمدينة والكوفة، وكان نصرانيًا، فأسلم عند الوليد‏.‏ وكان معروفًا بشرب الخمر، فأنزله دارًا لعقيل بن أبي طالب على باب المسجد فاستوهبها منه زبيد فوهبها له، فكان ذلك أول الطعن على الوليد بالكوفة، لأن أبا زبيد كان يخرج من منزله حتى يشق الجامع إلى الوليد فَيَسْمُرَ عنده، ويشرب معه، ويخرج فيشق المسجد، وهو سكران‏.‏ فلذلك نبهم عليه‏.‏ فبينما هو عنده أتى آتٍ أبا زينب، وأبا مورع، وجندبًا، وكانوا يتربصون للوليد منذ قتل أبناءهم، ويضعون له العيون للإيقاع به، فقال لهم‏:‏ إن الوليد وأبا زبيد يشربان الخمر، فثاروا وأخذوا معهم نفرًا من أهل الكوفة، فاقتحموا عليه، فلم يروه، فأقبلوا يتلاومون، وسبَّهم الناس، وكتم الوليد ذلك عن عثمان‏.‏ وجاء جندب ورهط معه إلى ابن مسعود فقالوا له‏:‏ إن الوليد معتكف على الخمر وأذاعوا ذلك‏.‏ فقال ابن مسعود‏:‏ ‏(‏من استتر عنا لم نتبع عورته‏)‏‏.‏ فعاتبه الوليد على قوله حتى تغاضبا، ثم أتى الوليد بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حده، واعترف الساحر عند ابن مسعود، وكان يخيل إلى الناس أنه يدخل في دبر الحمار، ويخرج في فيه، فأمره ابن مسعود بقتله‏.‏ فلما ‏[‏ص 79‏]‏ أراد الوليد قتله أقبل الناس ومعهم جندب بن كعب، فضرب الساحر، فقتله، فحبسه الوليد، وكتب إلى عثمان فيه، فأمره بإطلاقه وتأديبه، فغضب لجندب أصحابه، وخرجوا إلى عثمان يستعفون من الوليد، فردهم خائبين، فلما رجعوا أتاهم كل موتور، فاجتمعوا معهم على رأيهم، ودخل أبو زينب وأبو مُورَع وغيرهم على الوليد، فتحدثوا عنده، فنام، فأخذا خاتمه وسارا إلى المدينة‏.‏ واستيقظ الوليد فلم ير خاتمه، فسأل نساءه عن ذلك فأخبرنه أن آخر من بقي عنده رجلان صفتهما كذا وكذا فاتهمهما وقال‏:‏ هما أبو زينب وأبو مورع، وأرسل يطلبهما فلم يوجدا‏.‏ فقدما على عثمان ومعهما غيرهما، وأخبراه أنه شرب الخمر‏.‏ فأرسل إلى الوليد فقدم المدينة ودعا بهما عثمان‏.‏ فقال‏:‏ أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب‏.‏ فقالا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فكيف‏؟‏ قالا‏:‏ اعتصرناها من لحيته، وهو يقيء الخمر‏.‏ فأمر سعيد بن العاص فجلده‏.‏ فأورث ذلك عداوة بين أهليهما‏.‏ وقيل‏:‏ إن الذي جلده عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب جلده أربعين جلدة وهو الصحيح، لأن عليًا أمر ابنه الحسن أن يجلده، فقال الحسن‏:‏ ولِّ حارَّها من تولى قارها ‏[‏أي‏:‏ ولِّ مكروه الأمر من تولى محبوبه‏]‏، فأمر عبد اللَّه بن جعفر فجلده أربعين، فقال عليّ‏:‏ أمسك‏.‏ جلد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وأبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنَّة‏.‏ وهذا أحب إليَّ‏.‏

وقيل‏:‏ إن الوليد قد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعًا، ثم التفت إليهم وقال‏:‏ أزيدكم‏؟‏ ‏[‏السيوطي، تاريخ الخلفاء ص 123‏]‏ فقال ابن مسعود‏:‏ ‏(‏ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم‏)‏‏.‏ وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليًا بجلده، فأمر عليٌّ جعفرًا فجلده‏.‏

وروي أنه لما أحضر عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ الوليد في شرب الخمر حضر الحُطيئة، فاستأذن على عثمان وعنده بنو أمية متوافرون، فطمعوا أن يلتمس للوليد عذرًا فقال ‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 4‏]‏‏:‏

شهد الحُطيئة يوم يلقى ربه ***أن الوليد أحق بالعذر

خلعوا عِنانك إذ جريت ولو *** تركوا عنانك لم تزل تجري

ورأوا شمائل ماجد أنف *** يعطي على الميسور والعسر

فنُزعت مكذوبًا عليكَ ولم *** تنزع إلى طمع ولا فقر

فسروا بذلك وظنوا أنه قد قام بعذره‏.‏ فقال رجل من بني عجل يرد على الحطيئة‏:‏

نادى وقد تمت صلاتهم *** أأزيديكم ـ ثملًا ـ وما يدري ‏[‏ص 80‏]‏

فأبوا أبا وهب ولو فعلوا *** وصلتْ صلاتهُمُ إلى العشر

فوجم القوم وأطرقوا‏.‏ فأمر به عثمان رضي اللَّه تعالى عنه فحُدَّ‏.‏

شهد على الوليد أبو زينب، وأبو مورع، وجُندَب، وسعد بن مالك الأشعري، ولم يشهد عليه إلا يمانٍ‏.‏ ‏"‏أي أن كل من شهد عليه من اليمن‏"‏‏.‏

جُلد الوليد في المدينة أمام أقارب عثمان، أمام بني أمية، أمام علي بن أبي طالب وأولاده وأنصاره، وهذه فضيحة شنيعة‏:‏

أولًا‏:‏ لأنه كان واليًا على الكوفة والخمر محرمة في الشريعة الإسلامية، ويُحدُّ شاربها، والوالي هو الذي يقيم الحدود، فيجب عليه أن يكون قدوة للناس في الصلاح والتقوى وإتباع الكتاب والسنة‏.‏

ثانيًا‏:‏ لأنه أخو الخليفة الذي ولاه مكان سعد بن أبي وقاص، فاختيار عثمان للوليد لم يكن موفقًا‏.‏

فما كل ذي قرابة يصلح للحكم، ومن خلق الناس أنهم يتربصون وقوع الخطأ ممن يعين لقرابته لأولي الأمر، فإذا هفا هفوة، أو أذنب طعنوا عليه، وعددوا مثالبه، وطعنوا على من ولاه‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ كان واقعًا تحت تأثير أقاربه وبني أمية، وكان يثق بهم‏.‏ أما أبو بكر وعمر ـ رضي اللَّه عنهما ـ، فقد كانا يتجنبان المحاباة ولا يراعيان غير المصلحة العامة‏.‏ ولم يرَ عثمان بدًا من جلد الوليد بعد أن شهدوا عليه إقامة للحدود‏.‏

وفي الطبري‏:‏ كان الناس في الوليد فرقتين، العامة معه والخاصة عليه‏.‏ فما زال عليهم من ذلك الخشوع حتى كانت صفِّين، فولى معاوية، فجعلوا يقولون عيَّب عثمان بالباطل، فقال لهم عليّ عليه السلام‏:‏ ‏"‏إنكم وما تعيرون به عثمان كالطاعن نفسه ليقتل ردفه، ما ذنب عثمان في رجل ضربه بقوله وعزله عن عمله‏.‏ وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا‏؟‏‏"‏ ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 612‏]‏‏.‏

وعن نافع بن جبير قال‏:‏ قال عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ‏:‏ إذا جلد الرجل الحرّ ثم ظهرت توبته جازت شهادته‏.‏

وقيل‏:‏ كان الوليد أدخل الناس على الناس خيرًا ـ حتى جعل يقسم للولائد والعبيد، ولقد تفجَّع عليه الأحرار والمماليك، كان يُسْمَع الولائد ـ وعليهن الحداد ـ يقلن‏:‏

يا ويلتا قد عزل الوليد *** وجاءنا مُجوّعًا سعيد

ينقص في الصاع ولا يزيد *** فَجُوَّعَ الإماء والعبيد

 تولية سعيد بن العاص الكوفة

‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 608، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2/ص 3‏.‏‏]‏ ‏(‏سنة 30 هـ/ 651 م‏)‏‏:‏ ‏[‏ص 81‏]‏‏.‏

هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، الأموي، وجده هو المعروف بأبي أحيحة‏.‏ وأم سعيد هي أم كلثوم بنت عمرو بن عبد اللَّه بن أبي قيس‏.‏ ولد عام الهجرة‏.‏ وقيل‏:‏ بل ولد سنة إحدى‏.‏ وقتل أبوه العاص يوم بدر كافرًا، قتله عليّ بن أبي طالب‏.‏ وكان سعيد من أشراف قريش وأجوادهم وفصحائهم، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ‏.‏ وكان كثير الجود والسخاء، إذا سأله سائل وليس عنده ما يعطيه كتب به دينًا إلى وقت ميسرته‏.‏ وكان يجمع إخوانه كل جمعة يومًا فيصنع لهم الطعام، ويخلع عليهم، ويرسل إليهم بالجوائز، ويبعث إلى عيلاتهم بالبر الكثير، وكان يبعث مولى له إلى المسجد بالكوفة في كل ليلة جمعة ومعه الصرر فيها الدنانير، فيضعها بين يدي المصلين، فكثر المصلون بالمسجد بالكوفة في كل ليلة جمعة، إلا أنه كان عظيم الكبر‏.‏ وإن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص، لأنه كان أشبههم لهجة برسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏

توفي سعيد سنة 59 هـ، ولما حضرته الوفاة قال لبنيه‏:‏ ‏"‏أيكم يقبل وصيتي‏؟‏ قال ابنه الأكبر‏:‏ أنا يا أبت‏.‏ قال‏:‏ إن فيها وفاء ديني‏.‏ قال‏:‏ وما دينك‏؟‏ قال‏:‏ ثمانون ألف دينار‏.‏ قال‏:‏ وفيما أخذتها‏؟‏ قال‏:‏ يا بني في كريم سددت خلته‏.‏ وفي رجل جاءني ودمه ينزوي في وجهه من الحياء، فبدأته بحاجته قبل أن يسألنيها‏"‏‏.‏ وكان سعيد قد ربيَّ في حجر عثمان، فلما فتح الشام قدمه فأقام مع معاوية‏.‏ فذكر عمر يومًا قريشًا، فسأل عنه، فأخبر أنه بالشام فاستقدمه، فقدم عليه‏.‏ فقال له‏:‏ بلغني عنك بلاء وصلاح، فازدد يزدك اللَّه خيرًا، وقال له‏:‏ هل لك زوجة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ وجاء عمر بنات سفيان بن عوف ومعهن أمهن فقالت أمهن‏:‏ هلك رجالنا، وإذا هلك الرجال ضاع النساء فضعهن في أكفائهن، فزوَّج سعيدًا إحداهن، وزوَّج عبد الرحمن بن عوف الأخرى، وأتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي فقلن له‏:‏ قد هلك رجالنا وبقي الصبيان فضعنا في أكفائنا‏.‏ فزوَّج سعيدًا إحداهن، وجبير بن مطعم الأخرى، وكانت عمومته ذوي بلاء في الإسلام وسابقة فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال قريش‏.‏ فلما استعمله عثمان سار حتى أتى الكوفة أميرًا ورجع ومعه الأشتر، وأبو خشة الغفاري، وجندب بن عبد اللَّه، وأبو مصعب بن جثامة، وكانوا ممن شخص مع الوليد يعيبونه فصاروا عليه‏.‏

ولما وصل سعيد الكوفة صعد المنبر ‏[‏قبل أن يصعد سعيد المنبر أمر بغسله فقال‏:‏ اغسلوا هذا المنبر فإن الوليد كان رجسًا نجسًا فلم يصعده حتى غسل، عيبًا على الوليد‏]‏‏.‏ فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم ‏[‏ص 82‏]‏ قال ‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 5‏]‏‏:‏ ‏"‏واللَّه لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدًا إذا أمرت أن آتمر، إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها وواللَّه لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم‏"‏‏.‏

ثم نزل وسأل عن أهل الكوفة فعرف حال أهلها‏.‏ وهذه الخطبة إنذار لأهل الكوفة بأنه سيستعمل الشدة معهم‏.‏

 كتاب سعيد إلى عثمان

‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 5‏]‏‏:‏

ثم كتب سعيد إلى الخليفة كتابًا قال فيه‏:‏

‏"‏إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغُلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة، والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها‏"‏ كتب عثمان إليه‏:‏

‏"‏أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح اللَّه عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعًا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعًا بقسطهم من الحق‏.‏ فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل‏.‏‏"‏

فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيام والقادسية فقال‏:‏ ‏"‏أنتم وجوه من وراءكم‏.‏ والوجه ينبئ عن الجسد فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف‏"‏‏.‏

كثر القيل والقال وقال بعض شعراء الكوفة يندد بسعيد وكثرة التبديل في الولاة‏:‏

فررت من الوليد إلى سعيد *** كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا

بلينا من قريش كل عام *** أميرٌ مُحْدَثٌ أو مستشار

لنا نار نخوّفها فنخشى *** وليس لهم فلا يخشون نار

ثم إن سعيد جعل القراء في سمره، ففشت القالة في أهل الكوفة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فجمع الناس وأخبرهم بما كتب إليه فقالوا له‏:‏ أصبت لا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس بأهل لها لم يحتملها وأفسدها، فقال عثمان‏:‏ ‏[‏ص 83‏]‏‏.‏

‏"‏يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا‏.‏ فقد دبت إليكم الفتن، وإني واللَّه لأستخلصن لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم، إن رأيتم حتى يأتي من شهد مع أهل العراق سهمه فيقيم معه في بلاده، فقالوا‏:‏ كيف تنقل إلينا سهمنا من الأرضين‏؟‏ فقال‏:‏ ببيعها ممن شاء بما كان له بالحجاز واليمن وغيرها من البلاد ففرحوا وفتح اللَّه لهم أمرًا لم يكن في حسابهم، وفعلوا ذلك واشتراه رجال من كل قبيلة وجارٍ لهم عن تراضٍ منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق‏.‏

 غزوة طبرستان

‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 6، ابن كثير، البداية والنهاية ج 7/ص 154‏]‏ ‏(‏سنة 30 هـ/ 651 م‏)‏‏:‏

نبذة عن تاريخها وتسميتها‏:‏

تعرف طبرستان باسم مازندران أيضًا، وهي ولاية من ولايات إيران قديمًا، وموقعها إلى الجنوب الشرقي من بحر طبرستان، وهو بحر الخزر أو بحر قزوين، يحدها من الغرب كيلان، أو الجيلان، ومن الجنوب العراق العجمي وخراسان البُرز‏.‏ ومن الشرق خراسان أيضًا، ومن نواحيها أستراباذ، وهي إلى الشرق، وقاعدتها دُنباوند أو ديماقند‏.‏

وجاء في كتب العرب أن معنى طبرستان موضع الأطبار فهي مؤلفة من لفظتين ‏"‏طبر‏"‏، وهي تعريب تبر الفارسية اسم لنوع من الفؤوس، وإستان معناها الموضع، أو الناحية‏.‏ سميت بذلك لكثرة ما فيها من الأطبار ‏[‏الأطبار‏:‏ الفؤوس‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ طَبَرَ‏]‏‏.‏

قال القزويني في استعمارها وتسميتها‏:‏ إن بعض الأكاسرة اجتمع في جيشه جناة كثيرون، فقال وزيره‏:‏ نأمر بهم إلى بعض البلاد ليعمروها، فإن عمروها كان العمران لك، وإن تلفوا برئت من دمهم، واختار أرض طبرستان، وهي يومئذٍ جبال وأشجار، فأرادوا قطع الأشجار، وطلبوا فؤوسًا، والفأس بالعجمية ‏"‏تبر‏"‏ فكثرت بها الفؤوس، فقالوا‏:‏ ‏"‏طبرستان‏.‏‏"‏

ويؤيد ذلك ياقوت في كلامه عن أهلها ـ إن أهل تلك الجبال كثيرو الحروب، وأكثر أسلحتهم بل كلها الأطبار، حتى إنك قلَّ أن ترى صعلوكًا، أو غنيًا، إلا وبيده الطبر، صغيرهم وكبيرهم‏.‏

  غزوها

وللعرب في طبرستان وقائع مشهورة، فاستولوا عليها، وكانت جزءًا من مملكتهم‏.‏ وأول من ‏[‏ص 84‏]‏ قصدها سويد بن مقرن، أرسله أخوه نعيم بأمر عمر، فسار سويد نحو قومس فأخذها سلمًا، ثم دخل جرجان، وقيل‏:‏ صالحه الأصبهند ـ صاحب طبرستان‏.‏

ثم غزاها سعيد بن العاص‏.‏ خرج عبد اللَّه بن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدًا، ونزل أبرشهر، وبلغ نزول أبرشهر سعيدًا، فنزل سعيد قومس ‏[‏قومس‏:‏ كورة كبيرة واسعة بها مدن وقرى ومزارع في ذيل جبل طبرستان‏]‏ وهي صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان، فصالحوه على 2‏.‏000‏.‏000 ثم أتى طَمِية ‏[‏طَمِية‏:‏ وردت في ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 7‏:‏ ‏"‏طُمِيْسَة‏"‏ ولعل ورودها في هذا الكتاب خطأ والصواب هو ما جاء في الكامل في التاريخ لابن الأثير، وهي مدينة مشهورة من سهول طبرستان‏]‏‏.‏ وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان‏.‏ وهي مدينة على ساحل البحر، وهي في تخوم جرجان، فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف‏.‏ فقال لحذيفة‏:‏ كيف صلى رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏؟‏ فأخبره‏.‏ فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم يقتتلون‏.‏ وضرب يومئذٍ سعيد رجلًا من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه، وحاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم، على أن لا يقتل منهم رجلًا واحدًا‏.‏ ففتحوا الحصن فقتلهم جميعًا إلا رجلًا واحدًا وحوى ما كان في الحصن‏.‏ وفتح سعيد بن العاص نامية، وهي ليست بمدينة بل صحارى، ثم قفل إلى الكوفة فمدحه كعب بن جعيْل فقال‏:‏

فنعم الفتى إذ جال جيلانُ دونه *** وإذ هبطوا من دَستبى ثم أبهرا

تعلم سعيد الخير أن مطيتي *** إذا هبطت أشفقتُ من أن تعَقَّرا

كأنك يوم الشعب ليثُ خفية *** تحرَّد من ليث العرين وأصحرا

تسوس الذي ما ساس قبلك واحد *** ثمانين ألفًا دارعين وحسَّرا

ولما صالح سعيد أهل جرجان كانوا يجبون أحيانًا مائة ألف، وأحيانًا مائتي ألف، وأحيانًا ثلاثمائة ألف، وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه، ثم امتنعوا وكفروا‏.‏

  سقوط خاتم رسول اللَّه ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 614، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 9، ابن كثير، البداية والنهاية ج 7/ص 155‏]‏ من إصبع عثمان ‏[‏هو بئر أرِيْس‏:‏ بئر بالمدينة بقباء مقابل مسجدها‏]‏ ‏(‏سنة 30 هـ/ 651 م‏)‏‏:‏

لما أراد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ أن يكتب إلى الأعاجم كتبًا يدعوهم إلى اللَّه عز وجل وقال له رجل‏:‏ يا رسول اللَّه إنهم لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا‏.‏ فأمر رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ أن يعمل له خاتم من فضة، ‏[‏ص 85‏]‏ فجعله في إصبعه، وكان نقشه ثلاثة أسطر ‏"‏محمد‏"‏ سطر، و ‏"‏رسول‏"‏ سطر، و ‏"‏اللَّه‏"‏ سطر‏.‏ والأسطر الثلاثة تقرأ من أسفل إلى فوق، محمد آخر الأسطر، ورسول في الوسط، واللَّه فوق، وكانت الكتابة مقلوبة لتكون على الاستواء إذا ختم به، فكان ذلك الخاتم في يده ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، ولما استخلف أبو بكر ختم به‏.‏ ثم ولي عمر بن الخطاب فجعل يتختم به، ثم ولي من بعده عثمان فتختم به ست سنين فحفر بئرًا بالمدينة شربًا للمسلمين ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 615، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 11‏]‏، وهي على ميلين من المدينة، وكانت قليلة الماء، فجاء عثمان ذات يوم فقعد على رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم، فسقط من يده في البئر فطلبوه فيها، ونزحوا ما فيها من الماء، فلم يعثروا عليه، فجعل فيه مالًا عظيمًا لمن جاء به، واغتم لذلك غمًا شديدًا، فلما بئس منه صنع خاتمًا آخر على مثاله ونقشه، فبقي في إصبعه حتى قتل، ثم ضاع هذا الخاتم ولم يُعلم من أخذه‏.‏ وقد تشاءم المسلمون لضياع خاتم رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وقالوا‏:‏ إن عثمان لما مال عن سيرة مَن كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ من يده‏.‏

قال أحمد بن يحيى بن جابر‏:‏ نسبت إلى أريس رجل من المدينة من اليهود وعليها مال لعثمان بن عفان‏.‏ والأريس في لغة أهل الشام الفلاَّح وهو الأكار، وجمعه أريسون وأرارسة وأرارس‏.‏ وفي الأصل جمع أريس بتشديد الراء‏.‏

  تسيير أبي ذر الغفاري إلى الربذة [الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 615، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 11]. (سنة 30 هـ/ 651 م): أبو ذر الغفاري: وهو جندب بن جُنادة ـ على المشهور ـ وكان من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام." ‏

لما بلغ أبا ذر مبعث رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ قال لأخيه‏:‏ اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له‏:‏ رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعت منه كلامًا ما هو بالشعر‏.‏ فقال‏:‏ ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل قربة فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، فانتظر ودخل على رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ فسمع من قوله وأسلم‏.‏ فقال له النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري‏)‏ ‏[‏رواه الطبراني في المعجم الكبير ‏(‏12‏:‏ 227‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏ قال‏:‏ والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته‏:‏ ‏"‏أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله‏"‏، فقاموا إليه، فضربوه حتى أضجعوه، وأتى ‏[‏ص 86‏]‏ العباس فأكب عليه، وقال‏:‏ ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا عليه، فأكب العباس إليه‏.‏

قال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم‏)‏‏.‏ كان أبو ذر بالشام في خلافة عثمان، وكان معاوية عاملًا عليها، فلما ورد ابن السوداء ‏[‏ابن السوداء، هو عبد اللَّه بن سبأ، كان يهوديًا وأسلم‏]‏ الشام لقي أبا ذر فقال‏:‏ يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول‏:‏ ‏(‏المال مال اللَّه ألا إن كل شيء للَّه‏)‏، كأنه يريد يحتجنه ‏[‏أي يجمعه‏]‏ دون الناس ويمحو اسم المسلمين ‏[‏كان معاوية يكثر ادخار المال في ولايته بالشام لصرفه وقت الحاجة‏]‏ فأتاه أبو ذر‏.‏ فقال‏:‏ ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال اللَّه‏؟‏ قال‏:‏ يرحمك اللَّه يا أبا ذر ألسنا عباد اللَّه، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره‏؟‏ قال‏:‏ فلا تقله‏.‏ قال‏:‏ فإني لا أقول إنه ليس للَّه، ولكن سأقول مال المسلمين‏.‏ وأتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له‏:‏ من أنت، أظنك واللَّه يهوديًا‏.‏ فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به معاوية‏.‏ فقال‏:‏ هذا واللَّه الذي بعث عليك أبا ذر‏.‏ وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول‏:‏

‏"‏يا معشر الأغنياء وأسواء الفقراء‏.‏ بُشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يُنفقونها في سبيل اللَّه بمكاوٍ من نار تُكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم‏"‏ ‏[‏قال تعالى في سورة التوبة‏:‏ ‏{‏والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 34‏]‏‏.‏ اختلف علماء الصحابة في المراد بها الكنز المذموم‏.‏ فقال الأكثرون‏:‏ هو المال الذي لم تؤد زكاته‏.‏ وقال عمر بن الخطاب‏:‏ ما أديت زكاته فليس بكنز‏.‏ وقال ابن عمر‏:‏ ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض‏.‏ وقال قوم‏:‏ إن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد إلا أنه كان في زمان رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ جماعة من كبار الأغنياء كعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وكان عليه السلام يعدهم من كبار المؤمنين واحتج الذاهبون إلى القول الثاني أن ظاهر الآية يدل على المنع من جمع المال‏.‏ فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر الآية فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل‏.‏ روى سالم بن الجعدان أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏تبًا للذهب تبًا للفضة‏)‏ قالها ثلاثًا‏.‏ وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏كية‏)‏، وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏كيتان‏)‏‏.‏

وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى العير تقدم بالمال يصعد على موضع مرتفع ويقول‏:‏ ‏"‏جاءت القطار تحمل النار وبشَّر الكنازين بكي في الجباه والجنوب والظهور والبطلان‏"‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات‏.‏ فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته، ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها فكأن هذا الإنسان بهذا المنع مانع من ظهور حكمته ومانع من وصول إحسان اللَّه إلى عبيده‏.‏

قال الفخر الرازي‏:‏ واعلم أن الطريق الحق أن يقال‏:‏ الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع‏.‏ فالأول‏:‏ محمول على التقوى، والثاني‏:‏ على ظاهر الفتوى‏]‏ ‏[‏ص 87‏]‏‏.‏

فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس‏.‏ حرض أبو ذر بذلك الفقراء وفهمهم أن لهم حقوقًا لدى الأغنياء، وأن الذين يكنزون المال لهم في الآخرة عذاب أليم فهو بذلك يدعو إلى نوع من التكافل‏.‏ وقد تخوَّف الأغنياء من ثورة الفقراء، ومطالبتهم بالمال، لذلك شكوا إلى معاوية‏.‏ فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر قد أعضل بي ‏[‏أعضل بي‏:‏ أعياني أمره‏]‏، وقد كان من أمره كيت وكيت‏.‏

فكتب إليه عثمان‏:‏ ‏"‏إن الفتنة قد أخرجت خطمها ‏[‏خطمها‏:‏ أنفها‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ خطم‏]‏‏]‏ وعينيها، فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح، وجهِّز أبا ذر إليَّ، وابعث معه دليلًا وزوِّده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت‏"‏ الطبري ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 615‏]‏‏.‏ وجاء في ابن الأثير‏[‏ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 11‏]‏‏:‏ إن الأغنياء لما شكوا إلى معاوية ما يلقون من الفقراء، أرسل إلى أبي ذر بألف دينار في جنح الليل، فأنفقها ـ على الفقراء ـ، فلما صلى معاوية الصبح، دعا رسوله الذي أرسله إليه، فقال‏:‏ اذهب إلى أبي ذر فقل له أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك، ففعل ذلك‏.‏ فقال له أبو ذر‏:‏ يا بني قل له واللَّه ما أصبح عندنا من دنانيرك دينارًا، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها‏.‏ فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلى عثمان إلخ‏.‏

فلما قدم أبو ذر المدينة، ورأى المجالس في أصل سلع ‏[‏سَلْع‏:‏ جبل قرب المدينة‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ سلع‏]‏‏.‏‏]‏، قال‏:‏ بشِّر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار‏.‏ ودخل على عثمان فقال‏:‏ يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ‏[‏ص 88‏]‏ ذَرَبك ‏[‏ذَرَبك‏:‏ حدة لسانك‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ ذرب‏]‏‏.‏‏]‏‏؟‏ فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال مال اللَّه، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالًا‏.‏ فقال‏:‏ يا أبا ذر عليَّ أن أفضي ما عليَّ، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد‏.‏ قال‏:‏ فتأذن لي في الخروج، فإن المدينة ليست لي بدار‏.‏ فقال‏:‏ أو تستبدل بها إلاَّ شرًَّا منها‏.‏ قال‏:‏ أمرني رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ أن أخرج منها إذا بلغ البناء سَلْعًا‏.‏ قال‏:‏ فانفذ لما أمرك به، فخرج حتى نزل الربذة ‏[‏الربذة‏:‏ من قرى المدينة على ثلاثة أميال، وبها قبر أبي ذر، أقام بها إلى أن مات سنة 32 هـ، وقد تطاول عثمان في البنيان حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة‏:‏ دارًا لنائلة ودارًا لعائشة وغيرهما من أهله وبناته، وبنى مروان القصور بذي خشب، فلما شاهد أبو ذر كثرة البنيان لم يطق الإقامة بالمدينة لحديث رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏

‏[‏فحط بها منزلًا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل ‏[‏صرمة من الإبل‏:‏ قطيع من الإبل نحو الثلاثين‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ صَرَم‏]‏‏.‏‏]‏، وأعطاه مملوكين، وكان أبو ذر يتعاهد المدينة حتى لا يعود أعرابيًا، وكان يحب الوحدة والخلوة، فدخل على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان‏:‏ لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات‏.‏ فقال كعب‏:‏ مَن أدَّى الفريضة فقد قضى‏.‏ فرفع أبو ذر محجنه ‏[‏محجنه‏:‏ عضاه‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ حجن‏]‏‏.‏‏]‏، فضربه، فشجَّه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له وقال‏:‏ يا أبا ذر اتق اللَّه واكفف يدك ولسانك‏.‏ الطبري ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 616‏]‏‏.‏

ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصرة وعليها رجل يلي الصدقة فقال‏:‏ تقدم يا أبا ذر‏.‏ فقال‏:‏ لا، تقدَّم أنت فإن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ قال لي‏:‏ ‏(‏اسمع وأطع وإن كان من رقيق الصدقة‏)‏، وكان أسود يقال له‏:‏ مجاشع‏.‏

وذكر الطبري رواية عن محمد بن سيرين قال‏:‏ خرج أبو ذر إلى الربذة من قبل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له ‏[‏لا ينزع إليه‏:‏ أي لا يميل إليه‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ نزع‏]‏‏.‏‏]‏ إلخ‏.‏

ثم قال الطبري ‏[‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 616‏]‏ بعد أن أورد قصة أبي ذر وإقامته بالربذة‏:‏ وأما الآخرون فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأمورًا شنيعة كرهت ذكرها‏.‏

وقال اليعقوبي في تاريخه‏:‏ ‏[‏ص 89‏]‏

‏"‏وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مسجد رسول اللَّه، ويجتمع إليه ناس، فيحدث بما فيه الطعن عليه، وأنه وقف بباب المسجد فقال‏:‏ ‏"‏أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذيّ ‏{‏إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَليمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 33ـ 34‏]‏‏.‏ محمد الصفوة من نوح‏.‏ فالأول من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد‏.‏ إنه شرف شريفهم، واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجرة الزيتونية، أضاء زيتها، وبورك زبدها‏.‏ ومحمد وارث علم آدم، وما فضلت به النبيون، وعليٌّ بن أبي طالب وصيُّ محمد ووارث علمه‏.‏ أيتها الأمة المتحيَّرة بعد نبيها، أما لو قدمتم من قدم اللَّه، وأخرتم من أخر اللَّه، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولى اللَّه، ولا طاش سهم من فرائض اللَّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللَّه، إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللَّه وسنة نبيه‏.‏ فأما إذا فعلتم فذوقوا وبال أمركم ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الذِّينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 227‏]‏‏.‏ وبلغ عثمان أيضًا أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غيَّر وبدَّل من سنن رسول اللَّه وسنن أبي بكر وعمر فسيَّره إلى الشام إلى معاوية‏.‏ وكان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول، ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه‏.‏ وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول‏:‏ جاءت القطار تحمل النار‏.‏ لعن اللَّه الآمرين بالمعروف التاركين له، ولعن اللَّه الناهين عن المنكر الآتين له‏.‏ وكتب معاوية إلى عثمان‏:‏ إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه أن احمله على قتب بعير بغير وطاء‏.‏ أنك تقول سمعت رسول اللَّه يقول‏:‏ إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلًا اتخذوا بلاد اللَّه دولًا وعباد اللَّه خولًا ودين اللَّه دغلًا ‏[‏رواه أحمد في ‏(‏م 3/ص 80‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏ فقال‏:‏ نعم، سمعت رسول اللَّه يقول ذلك‏.‏ فقال لهم‏:‏ أسمعتم رسول اللَّه يقول ذلك‏؟‏ فبعث إلي عليٍّ بن أبي طالب فأتاه فقال‏:‏ يا أبا الحسن أسمعت رسول اللَّه يقول ما حكاه أبو ذر‏؟‏ وقصَّ عليه الخبر‏.‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ وكيف تشهد‏؟‏ قال‏:‏ يقول رسول اللَّه‏:‏ ‏(‏ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر‏)‏ ‏[‏رواه أحمد في ‏(‏م 2/ص 175‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏ فلم يقم بالمدينة حتى أرسل إليه عثمان واللَّه لتخرجن عنها‏.‏ قال‏:‏ أتخرجني من حرم رسول اللَّه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أنفك راغم‏.‏ قال‏:‏ فإلى مكة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فإلى البصرة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فإلى الكوفة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها‏.‏ يا مروان أخرجه ولا تدع أحدًا يكلمه حتى يخرج‏.‏ فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته، فخرج وعليٌّ والحسن والحسين ‏[‏ص 90‏]‏ وعبد اللَّه بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون‏.‏ فلما رأى أبو ذر عليًا، قام إليه فقبَّل يده ثم بكى وقال‏:‏ إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول اللَّه فلم أصبر حتى أبكي فذهب عليّ يكلمه‏.‏ فقال له مروان‏:‏ إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد‏.‏ فرفع عليّ السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال‏:‏ تنحَّ نحاك اللَّه إلى النار‏.‏ ثم شيَّعه، فكلمه بكلام يطول شرحه، وتكلم كل رجل من القوم، وانصرفوا، وانصرف مروان إلى عثمان فجرى بينه وبين عليِّ في هذا بعض الوحشة وتلاحيا كلامًا‏.‏ فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي‏"‏‏.‏

هذا ما ذكره اليعقوبي في تاريخه خاصًَّا بأبي ذر وتسييره إلى الربذة من غير أن يسنده إلى أحد من الرواة كدأب الطبري في رواياته، وقد اتفق الطبري وابن الأثير وابن خلدون على أن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ أذن لأبي ذر بالخروج إلى الربذة، بناءً على طلبه، لأنه لم يطق الإقامة بالمدينة، لكن عبارة اليعقوبي صريحة في أنه نفاه‏.‏ وإنا نستبعد أن ينفي عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ أبا ذر، لأن أبا ذر صحابي محترم مشهور بالزهد والصلاح والتشدد في الدين، وله مكانة عالية في نفوس المسلمين، ومما يدل على أن حكاية اليعقوبي مكذوبة ما ذكره من أن عثمان قال لمعاوية‏:‏ ‏"‏احمله على قتب بعير بغير وطاء‏"‏ فقدم إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه‏.‏

فعثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ لا يأمر بإرهاق صحابي كبير كأبي ذر كما هو معروف عنه من الحلم والرأفة‏.‏ فيكون ما ذكره الطبري من أنه ـ رضي اللَّه عنه ـ كتب إلى معاوية ـ وجهَّز أبا ذر وزوده وأرفق به ـ هو الصواب، لأنه يطابق ما جبل عليه عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ من الرفق واحترام كبار الصحابة‏.‏

وفي طبقات ابن سعد رواية عن عبد اللَّه بن الصامت قال‏:‏ دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يُدخل عليه منه وتخوفنا عثمان عليه، فانتهى إليه فسلم عليه، ثم ما بدأه بشيء إلا قال‏:‏ أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين واللَّه ما أنا منهم ولا أدركهم‏.‏ لو أمرتني أن آخذ بعرقُوَتيْ قَتب لأخذت بهما متى أمرت، ثم استأذنه إلى الربذة فقال‏:‏ نعم نأذن لك، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة، فتصيب من رسْلها‏.‏ فنادى أبو ذر‏:‏ دونكم معاشر قريش دنياكم فاعذَموها لا حاجة لنا فيها‏.‏

ومما يدل على مكانة أبي ذر ما رواه عبد اللَّه بن عمرو قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر‏)‏ ‏[‏رواه أحمد في ‏(‏م 2/ص 175‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏

وعن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر‏.‏ من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر‏)‏ ‏[‏رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ‏(‏4‏:‏ 168‏)‏، والمتقي الهندي في كنز العمال ‏(‏33222‏)‏‏]‏‏.‏